يخدم أحدا من حاشيته إلّا بأمره [ القفطي ، أخبار ، 93 - 94 ] . وبعد أن شفي جعفر ، قدّم له بختيشوع ابنه جبرائيل ليكون طبيبا له ، واصفا إيّاه بأنّه أمهر منه . أحبّه جعفر حبّا شديدا ، ثم قدّمه للرّشيد كي يعالج جارية له كانت قد شلّت ذراعها . فأبرأها جبرائيل بحيلة لطيفة لا تخلو من البراعة الطبّية ، وذلك بعد أن أخفق جميع الأطبّاء في معالجتها .
فأعجب به الرشيد ، وأكرمه بالمال ، وجعله رئيسا على جميع الأطبّاء . وكانت حظوة جبرائيل ومكانته لدى الرشيد تزداد علوّا حتّى أنّه دعا له عندما كان حاجّا بمكة دعاء كثيرا واعتبر أنّ صلاح المسلمين بصلاحه ، وقد أنشأ جبرائيل بيمارستانا في بغداد - بأمر من الرشيد - كان فيه مقلّدا لبيمارستان جنديسابور [ القفطي ، أخبار ، 250 ] .
خدم جبرائيل الرشيد ثلاثا وعشرين سنة ، كان خلالها يعتني بأكله وشرابه وصحّته ومزاجه ، وخدم البرامكة ثلاث عشرة سنة إلّا أنّه آخر أيّام الرشيد عندما اشتدّ عليه المرض وكان في « طوس » بفارس لم يستطع جبرائيل أن يبرّئه فأمر بحبسه ، ثم بقتله ، لكنّ الفضل بن الربيع كان يحبّ جبرائيل فامتنع عن تنفيذ الأمر ، ومات الرشيد بعد أيام قليلة ، وتولّى الخلافة ابنه الأمين ( حكم بين 193 ه / 198 م - 809 ه - 813 م ) فقرّب جبرائيل إليه ، وأكرمه ، وعمل بنصائحه الطبيّة .
ولمّا تولّى الخلافة المأمون ( حكم بين 198 ه - 813 م / 218 ه - 833 م ) سجن جبرائيل لقربه من أخيه الأمين ، وفي عام 202 ه / 817 م مرض الوالي الحسن بن سهل فأخرج جبرائيل من السجن لمعالجته ، ثم أخبر المأمون خبر علّته وبرئه على يد جبرائيل فصفح عنه المأمون . ولكن يبدو أنّه لم يكن صفحا كاملا . ففي عام 205 ه / 820 م عيّن ميخائيل - صهر جبرائيل - طبيبا له .
وعندما مرض المأمون عام 210 ه / 825 م ، وفشل أطبّاؤه في معالجته ، ذكّروه بجبرائيل الذي قام بتغيير تدبير العلاج ، فشفي المأمون ، وسرّ بطبيبه ، وأكرمه زيادة على ما كان الرشيد يكرمه . ويبدو أنّ نقمة المأمون على جبرائيل كان مردّها إلى أسباب سياسيّة تتعلّق بالعداء المستحكم بين الأمين والمأمون الذي انعكس على جبرائيل بالسوء ، لأنّه كان قد قدّم الولاء للأمين ، بالإضافة إلى ما امتاز به جبرائيل من وفرة في المال والجاه والحظوة وما يستتبع ذلك من نفوذ في البلاط العبّاسي ؛ إلّا أنّ علمه بالطبّ ، ومهارته في العلاج ، وأخلاقه المهنيّة رفعت من مكانته وجعلت المأمون يغيّر منحى علاقته به ، ويوجّهها لخدمة العلم . وجدير بالذكر أنّ ثروة جبرائيل الطائلة التي نالها جرّاء خدمته للخلفاء تعتبر حالا فريدة ربما لا نجد ما يماثلها حتى بين أطبّاء البلاط .
وتوفّي جبرائيل بعد عام 215 ه / 830 م وقيل سنة 213 ه [ الأعلام للزركلي ، 2 / 111 ] ، مخلّفا ابنه بختيشوع ليكون طبيبا للمأمون من بعده ، وكانت جنازته مشهورة [ القفطي ، أخبار ، 99 ] ، بحسب استحقاقه بأفعاله الحسنة وخيره [ ابن أبي أصيبعة ، عيون ، 198 ] . ودفن في دير مار سرجس بالمدائن ، جنوبي بغداد .
عمل جبرائيل على دفع عمليّة ترجمة المؤلّفات اليونانيّة في الطبّ والفلسفة ، فكان يكلّف المترجمين بترجمة كتب معيّنة . ويعتبر أوّل من
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 228
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢٢٨