( ت 380 ه / 990 م ) مدينة دمشق أثناء رحلته حوالي منتصف القرن 4 ه . وجد للأوزاعية مجلسا بجامعها الأمويّ ، مع أن العمل فيه « على مذهب أصحاب الحديث والفقهاء شفعوية » . وكان قاضي الشام « أحمد بن سليمان بن حذلم » ( ت 347 ه / 958 م ) آخر من عمل بمذهب الأوزاعي .
ومما يمكن أن يفسر به انقراض مذهب الأوزاعي انحسار نفوذ الأمويين وتحوّل مركز الاهتمام إلى العراق زمن العباسيين ، ثمّ إنّ أصحاب الأوزاعي لم يخدموا مذهب شيخهم كما فعل أصحاب بقية الأئمّة المشهورين ، فلم يجمعوا أقواله ولم يفرّعوها على أصوله ، وقد انتقل الشاميّون تدريجيا إلى مذهب الشافعي صاحب المؤلفات المشهورة ، ولعلّهم اعتبروا الإمام الشافعي خير وريث لعالمهم ، لأنّه كان من أنصار السنّة مثله ، وكان يميل إلى ترجيح أقواله على أقوال العراقيين من أصحاب أبي حنيفة على الخصوص كما ظهر ذلك في كتابه « سير الأوزاعي » الموجود ضمن كتاب « الأمّ » [ ج . 4 ، ص 333 - 369 ] . أما إفريقية فقد تراجع فيها مذهب الأوزاعي حتّى اختفى بسبب انتشار مذهبي أبي حنيفة ومالك ، خاصة أنّه لم يشتهر فيها مثل اشتهاره بالشام .
ومع أن المتفقّهين على مذهب الأوزاعي كانوا بالأندلس أكثر من إفريقية فإنّه لم يمض وقت طويل حتّى ظهر عندهم موطأ مالك فاشتغلوا به . والذي زهّد المغاربة للرحلة عموما في مذهب الأوزاعي رغم احترامهم له أن الشام لم تكن في طريق الحج ولم تكن مقصدا للرحلة في طلب العلم ، لأنّ غالب رحلتهم كانت إلى الحجاز بالدرجة الأولى ثمّ إلى العراق [ الشتيوي ، تاريخ المذاهب الفقهيّة بإفريقية ، ص 52 - 53 ] .
استطاع الأوزاعي أن يكوّن لنفسه مذهبا مستقلّا يميل فيه إلى ترجيح منهج أهل الحديث ، وقد صنفه ابن النديم في المقالة السادسة من كتابه ضمن قائمة فقهاء أصحاب الحديث ( الفهرست ، 282 - 284 ) . وممّا يؤكّد ذلك رسوخ قدمه في حفظ الحديث ، وروايته واتفاقه في كثير من الفتاوي مع أهل الحديث ، ومخالفته أهل الرأي وخصوصا في مسائل السير ، وأخذه بالحديث المرسل أي المروي مع ترك واسطة بينه وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم وتحرّي آثار السلف ولا سيّما الصحابة إذا لم يتسنّ الاعتماد على القرآن والسنّة وإنكاره للبدع وتردّده في العمل بالقياس إلّا للضرورة ، وإنكاره للرأي ، ومما يروى عنه في ذلك قوله : « عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول » [ الذهبي ، م . س ، 1 / 180 ] .
ومما ذكر عن الأوزاعي جرأته ودفاعه عن المبادئ الانسانيّة ، فكان يرشد الولاة ، ينصحهم بمعاملة الرعية بالحسنى ، وينهاهم عن ظلم أهل الذمّة ، ومن ذلك وقوفه بوجه صالح بن علي ( 96 ه / 714 م - 151 ه / 768 م ) والي الشام ليكبح قسوته في معاملة نصارى الشام أعقاب ثورة المنيطرة سنة 142 ه / 759 م ، إذ شرّد أهل القرى وأجلاهم عن منازلهم ، وصادر أموال الأبرياء الّذين لم يشاركوا في الفتنة . فلمّا بلغ الأوزاعي ما حلّ بأهل الجبل ، بعث إلى الوالي رسالة احتجاج ، اتّسمت بالجرأة والعدالة ، ومما
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 551
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٥١