سماع مشاهير التابعين في عصره ، ومجالسة كثير من الأعلام في مختلف الأمصار الإسلاميّة ، فكان بذلك واسع المعرفة ، راسخ القدم في العلوم الدينية المتداولة في زمنه ، بل ظهرت نباهته منذ الصغر إذ روي أنّه سئل في الفقه وله ثلاث عشرة سنة [ الشيرازي ، طبقات الفقهاء ، ص 76 ] . وقد برع في تفسير القرآن الكريم ، وكان واسع الاطلاع على السنة النبوية ، والآثار المروية ، والمغازي ؛ قال عبد الرحمان بن مهدي : « ما كان أحد بالشام أعلم بالسنة من الأوزاعي » [ م . ن ، ص 76 ] ، فقد كان من الأئمّة المشهورين بالثقة والحفظ ، لذلك كانت روايته مقبولة عند المحدثين ، فأخرج له البخاري ومسلم عدّة أحاديث ، كما روى له أصحاب السنن الأربعة : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وغيرهم مثل أحمد بن حنبل والدارقطني .
وممن تتلمذ عليه الهقل بن زياد ( ت 179 ه / 795 م ) وكان كاتبه ، وصعصعة بن سلام الدمشقي ( ت 192 ه / 807 م ) وكان مفتيا بالأندلس وخطيبا بقرطبة وهو الذي نشر مذهبه بالأندلس وأبو يحمد بقية بن الوليد الكلاعي ( ت 197 ه / 812 م ) ومحمد بن يوسف الغرياني ( ت 212 ه / 827 م ) أستاذ البخاري ، وضمرة بن ربيعة ( ت 202 ه / 817 م ) ؛ وقد سمعه سفيان الثوري ( ت 161 ه / 777 م ) وعبد اللّه بن مبارك ( ت 181 ه / 797 م ) وشعبة بن الحجاج ( ت 160 ه / 776 م ) وغيرهم . بل إن عددا من شيوخه التابعين ومن أقرانه الذين لقيهم رووا عنه مثل قتادة ، والزهري ، ويحيى بن أبي كثير ، والإمام مالك [ النووي ، م . س ، 1 / 298 ] .
ويروى أنّ سبب وفاته اختناقه بفحم كانون وضعته امرأته في حمام بيته ، وقد دفن في قرية حنتوس على الساحل الجنوبي من بيروت التي صارت تعرف بمحلة الأوزاعي [ الذهبي تذكرة الحفاظ 1 / 182 ] . نوّه به معاصروه ويروى أنّ مالك بن أنس قال بعد اجتماعه به وبسفيان الثوري وأبي حنيفة إنّه « أرجحهم » ؛ كما قال فيه سفيان بن عيينة : « الأوزاعي إمام زمانه » .
وقد كانت له مكانة بين الأمويين الذين عاصرهم ، ولما أدركته الخلافة العباسية حافظ على استقلال شخصيته دون أن يتورّط في الخلافات السياسيّة ، وكان أبو جعفر المنصور يعظمه ويصغي إلى وعظه ، ورويت عنه في نصح المنصور كثير من الأخبار [ أبو نعيم ، حلية الأولياء ، 6 / 135 - 140 ] .
انتقل مذهبه على يد تلميذه « صعصعة بن سلّام » ، من أهل دمشق ، من دمشق وبيروت إلى مصر فحدّث بها عنه ، ثمّ رحل إلى الأندلس وسكنها وحدّث بها عن الأوزاعي أيّام الأمير « عبد الرحمن بن معاوية الأموي » ، وصدرا من أيام « هشام » حتّى توفي سنة 192 ه / 807 م . وقال الإمام « القرطبي » ( المتوفّى في 671 ه / 1273 م ) ما يعني أنّ مذهبه كان منتشرا في الأندلس لأكثر من نصف قرن من الزمان ، قبل أن ينحسر ويحلّ محلّه مذهب الإمام « مالك » .
أمّا في الشام فبقي مذهبه سائدا نحوا من مئتين وعشرين سنة ، وقبل ظهور مذهب « الإمام الشافعيّ » ( ت 204 ه / 819 م ) في دمشق لم يكن يلي القضاء والخطابة والإمامة بها إلّا أوزاعي على رأي الأوزاعي . وحين نزل الرحّالة « المقدسي المعروف بالبشّاري »
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 550
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٥٠