يصبح أول أستاذ عربي أكاديمي للأدب الأندلسي الذي بفضله صار مادة تدريس مستقلة بعد أن كان يدرس تحت مسميات أخرى . وصار كل من تخزّج وعمل في هذا المجال في العالم العربي وحتّى وفاته من تلامذته بجانب أستاذيته لكثير من الإسبان وغيرهم من مختلف الجنسيات ممن طغت أسماؤهم في مجال الاستشراق ودراسة الحضارات في النصف الثاني من القرن العشرين وحتّى اليوم . من ثمّ - كما ذكر الخطاب الرسمي الصادر عن المعهد الاسبانو عربي - وزارة الخارجية الإسبانية ، في عزاء جامعة القاهرة في وفاته : « كان موته خسارة كبرى لمصر وإسبانيا وللإنسانية جمعاء » .
ومن عالم الموشحات والأزجال انطلق إلى دراسة أثر هذين الفنين في نشأة شعر التروبادور بجنوب أوروبا ، والأشعار القصصية والغنائية الإسبانية التي عرفت بالرومانث ليرود في عالمنا العربي لأوّل مرّة ومبكرا على مستوى العالم في نفس أكاديمي رفيع مجال الأدب المقارن ، ومكتشفا آفاقا جديدة منها انطلق إلى الحديث - من ناحية - عن الحضارات في سلسلة من المقالات في مجلّة « المجلّة » التي كانت من دوريات وزارة الثقافة المصرية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين . ومن ناحية أخرى أثار قضية التراث الشعبي العربي المجهول منطلقا من دراسته للأغنية العربية الأندلسية والأمثال الأندلسية والأزجال ، ومنبّها لأهمّية ذلك التراث الشعبي العربي في معرفة روح الأمة العربية وتعميق هويتها . مركزا على عقم التراث الفصيح عندما ينعزل عن تراث الشعب ولغته . وعلى يده بدعم من شيخه أمين الخولي وزميلي عمره عبد الحميد يونس ، وسهير القلماوي عرف العرب في عصرهم الحديث الدراسة العلمية للفولكلور لأوّل مرة ، كما صار الأدب الشعبي في خمسينات القرن العشرين مادة تدرّس في الجامعات العربية ، ثم أنشئت المؤسسات التعليمية والبحثية للتراث الشعبي .
ويحاول عبد العزيز الأهواني كشف الأثر العربي في أهمّ عمل أدبي إسباني ( وأوروبي ) عبر التاريخ بترجمة رائعة ثرفانتس « دون كيخوته » إلى العربية ، ويقدم لها مع حسين مؤنس . وبهذا ، مع أعمال أخرى مثل ترجمته « الليلة المظلمة » تلك القصيدة الغنائية في الأدب الإسباني والرومانثي الرائدة لسان « خوان دي لاكروث » ، ينقل الاهتمام بالأندلس من الماضي إلى الحاضر ، معرّفا بالأدب الإسباني كامتداد لعطاء الأندلس العربي ، وهو في مجال رغبته في توثيق العلاقات العربية الإسبانية يستجيب لتكليف طه حسين بإنشاء « معهد فاروق للدراسات الإسلامية » بمدريد ، وذلك عندما استدعاه من باريس 1950 م ، حيث أوفد لجمع مادة الدكتوراه ، والتعرّف على كل المخطوطات العربية في فرنسا وإسبانيا ، وقد فهرس لها ، وعكف عليها نسخا وتصويرا ودراسة ، وخلال إشرافه العلمي كلّف تلامذته بنشر عدد كبير منها ودراستها بعد أن عرّفهم بها ، وسهّل حصولهم عليها .
وقد أسس بمفرده وبجهد العالم مكتبة المعهد المصري ، لتصير مفخرة هذا المعهد ، وتحتل صدارة المكتبات الإسلامية في أوروبا وفي العالم ( إلى حد كبير ) . كما أسّس « مجلّة المعهد المصري » بمدريد الذي أنشأه بنفسه
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 547
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٤٧