مع الحجيج من الماء ، فشارفوا على الهلاك ؛ وعندها توجه إليه الملك والناس أجمعين طالبين منه أن يدعو الله تعالى لإنقاذهم ، فرفع الشيخ يديه نحو السماء ولم يبرح مكانه حتى أنزل الله على السفينة غيثا نافعا بلا ريح ولا رعد ، فشرب الجميع ماء باردا نقيا ، ونجوا من الموت المحقق [ م . س ، 1978 ، ص 37 ] . وبقدر ما كان الشيخ محمود ليّن الجانب مع الذين عاشروه خاصة الفقراء منهم ، فإنه كان شديدا على نفسه وعلى الملوك والوجهاء ، لا يخاف في الله لومة لائم ، يهابه السلاطين فمن دونهم ، ويزورونه في بيته ، فلا يقوم لهم ولا يلتفت ، ويهادونه بالهدايا والتحف . تولى القضاء في تومبكتو بعد وفاة الشيخ أحمد بن سعيد عام 904 ه / 1498 م « فشدّد في الأمور وسدّد » [ أحمد بابا ، نيل الابتهاج ، 1932 ، ص 323 ] .
وقد قيل إنّ خلافا شجر بينه وبين أسكيا محمد توري ، فكان ردّه قويا ، ولم يتردّد أن يوبّخه أمام الناس ويذكره بيوم جاءه فيه في بيته طالبا منه أن يدعو الله له لينقذه من عذاب النّار ، فقبل منه الملك هذا التصرف بلطف وتواضع وطلب منه الصفح [ م . س ] .
ومن الملاحظ أنّ هذا الدّور وهذه المكانة لم يكونا جديدين على علماء المنطقة ، بل يمكن اقتفاء أثرهما منذ بداية دولة مالي حين قبلت عشيرة جاخانكي السوننكيّة بدورها الديني ، وتترك الملك للعشائر الأخرى مقابل منحهم الأمن والأمان هم وذويهم وكل من ينزل ضيفا عليهم ولو كان مطلوبا من قبل الملك ، وما زالت هذه العائلة تقوم بدورها الديني نفسه إلى اليوم ، ويعرفون بشيوخ « ماندنغ
Moori
« Manding
؛ وتجدهم كما قلنا حيث تجد هؤلاء وتنسب بعض الأقوام غير المسلمة في إفريقيا القرآن الكريم إليهم ، قائلين : « كتاب ماندنغ
« Book Manding
. ومن شيوخ محمود أقيت : أحمد بن سعيد ووالده عمر صالح جوارا . وتوفي بتومبكتو ودفن فيها .
آثاره
له مؤلفات عديدة في الفقه والعقيدة ، أهمها : شرح مختصر الخليل ؛ والتعليق على رجز المغيلي .
المصادر والمراجع
التمبكتي ، أبو البركات أحمد بابا ، نيل الابتهاج في تطريز الديباج ، القاهرة مطبعة السعادة 1932 ، هذا المصدر هام جدّا ، ليس فقط في ما يتعلق بأعلام السودان ، وإنّما بأعلام المنطقة بصفة عامة ، ابتداء من الأندلس إلى شمال إفريقيا في هذه الفترة . وهذا المرجع هو أيضا هامّ جدّا ، إذ عاش صاحبه في المنطقة ما يقارب 40 عاما ، زيادة على إلمامه الواسع بالثقافة العربية ، وقد شهد له بذلك صاحب هذه السطور أثناء لقائه به في الجامعة البابونية غريغوريانة بروما حيث كان يدرس ؛ وهذا المرجع هام للغاية باعتبار أن الكاتب ينتمي إلى العائلة نفسها بحيث جمع بعض النصوص من العائلة قد لا تكون متوافرة خارجها أحمد مهدي رزق الله ، حركة التجارة والتعليم الإسلامي في غربي إفريقية قبل الاستعمار وآثارها الحضارية ، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ، الرياض 1998 ؛ السعدي ،