تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
وهكذا أينعت مواهبه العلمية والأدبية تحت ظلال البلاط الملكي ، وسرعان ما فاق أترابه بعلمه ومهارته في مختلف فروع البيان والتعبير . تميّز في معرفة ثلاث لغات هي العربية والفارسية والسنسكريتية ، وقد ترجم أثارها العلمية والأدبية بمنتهى القدرة والجدارة ، فعلى سبيل المثال نقل الكتاب المسمى « ليلاوتي » وهو في الحساب والمساحة من السنسكريتية إلى الفارسية ، وكذلك كتاب « نل ومن » من الفارسية إلى السنسكريتية . وما عدا هذه التراجم ترك لنا أبو الفيض آثارا أدبية رائعة ، ومنها ديوانه الفارسي باسم « تباشير الصبح » الذي يشتمل على أكثر من خمسة عشر ألف بيت ، وكل بيت لهذا الديوان يشهد على براعته وتفوقه في الأدب الفارسي . وكان قد كتب عن نفسه شعرا معناه : بحوزتي كافة الفنون التي يمتلكها أصحاب الفنون وكافة أنوار قناديل الزعماء والقواد ، جسدي من تراب الهند ولكن في كل شعري ألف يونان . لا يجوز لنا أن نحمل هذا القول على المبالغة إذ كان صاحبه بلا مراء ذا ثقافة واسعة ، ولم يكن له نظير في عصره في الشعر والأدب واللغة والتاريخ والإنشاء والطب ، وأكبر دليل على هذا الرأي كتاباه القيمان وهما « سواطع الإلهام » و « موارد الكلم وسلك درر الحكم » وفيما يتعلّق بالكتاب الأول فهو تفسير لمعاني القرآن الكريم وهو فريد من نوعه في « صنعة الإهمال » وجميع كلماته وتراكيبه بدون نقاط ، ولا شك في أنه عمل شاق ومتكلّف ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله بدون القدرة الفائقة على الذخائر اللفظية للغة العربية . فكل من يلقي نظرة عابرة على هذا التفسير لا يلبث أن يثني عليه وينوّه بهذا العمل الجليل ، فمثلا يقول حسان الهند العلامة غلام علي آزاد البلكرامي في مدح صاحب هذا التفسير : إنه أول من ألف خلال ألف سنة الماضية مثل هذا التفسير ؛ وكذلك يكتب صاحب كشف الظنون حاجي خليفة عن هذا التفسير فيقول : إنه كتاب منفرد بين التفاسير ، وقد أثنى عليه عديد من العلماء الذين عاصروا « أبو الفيض » ومنهم الشيخ يعقوب الكشميري والمؤرخ الكبير شاه نواز خان . ومن الجدير بالذكر أن هذا التفسير لا يزال موضع الاهتمام والتقدير لدى أصحاب العلم والأدب مع أن عامة الناس لم يقدروه حقّ قدره وذلك بسبب اعتناء المؤلف الشديد بصنعة الإهمال التي قد جعلت هذا العمل الرائع في أكثر الأماكن يستعصى عن الفهم ، فيقول المورخ الكبير العلامة شبلي النعماني عن هذا الضعف والنقص : « إن هذا التفسير عمل صناعي متكلف جمع فيه المؤلف كلمات غير منقوطة عويصة فلا يترك أسلوب هذا التفسير أي أثر حسن على المرء » . ولا شك في أن عبارة هذا التفسير في أكثر الأماكن معقدة وخالية من جمال التعبير ونصاعة الأسلوب وحسن الديباجة ، فالإنسان العادي لا يستطيع فهم معانيه بالسهولة . ومما يبدو فإن المؤلف لم يقصد بهذا التفسير توضيح الآيات وتفسيرها بل حاول بذلك إظهار قدرته على انتقاء الكلمات المهملة والتراكيب المستعصية غير المنقوطة ؛ ومن الملاحظ أن « أبو الفيض » لم يأخذ وقتا طويلا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 282 | المنجي بوسنينة