في لندن ثم انتقل منها إلى باريس وتحول بعد ذلك في روسيا وألمانيا مع زيارة إلى فارس بدعوة من الشاه ناصر الدين . مكّنته الأجواء الفكرية والسياسية الأوروبية ومعرفته باللغات الفرنسية والإنجليزية والروسية من الاطلاع على جوانب هامة من الحياة السياسية والفكرية في أوروبا في وقت كانت الحملة الاستعمارية الأوروبية على عدة بلدان عربية وإسلامية قد بلغت أوجها .
كانت له مقابلات ومناظرات سياسية وفكرية وأدبية مع أصحاب الرأي والقرار من أمثال « هربرت سبنسر »
( Herbert Spencer )
و « ويلفريد بلونت » الأنجليزيان ، و « إرنست رينان »
( Ernest Renan )
وفيكتور هيجو
( Victor Hugo )
الفرنسيان . وتمكن من خلال مساهماته المختلفة من بلورة التوجه التحرري الذي التزم به كما عبر عن مخالفته للتوجهات السياسية الأوروبية المتعلقة بالعالم الإسلامي وعن تهافت الخلفية الفكرية التي تقوم عليها تلك التوجهات فنشر مساهمات هامة في « البشير » و « لاجوستيس »
( La Justice )
وفي الأنترنزيجان
( L'Intransigeant ) .
ولعل من أهم ما يمكن أن نسجله في هذا المضمار رده في شهر ماي 1883 على محاضرة المستشرق « رينان » التي ألقاها في جامعة « السربون » بعنوان « الإسلام والعلم » . نشر الأفغاني رده على ما ورد من طعون المستشرق في الإسلام في « لو جورنال دي ديبا »
( Le journal des debats )
. أنشأ بعد ذلك سنة 1301 ه / 1884 م جريدة « العروة الوثقى » بمعية الشيخ « محمد عبده » الذي التحق به إلى باريس إثر الاضطرابات السياسية الكبرى التي شهدتها مصر في سنتي 1298 ه و 1299 ه / 1881 و 1882 م كما ساعدهما إبراهيم المويلحي ، ولقيت الجريدة صدى واسعا في الأوساط العربية التي كانت تصلها إليها رغم ما تثيره من سخط السلطة الاستعمارية ومقاومتها ، ولم تعمر الجريدة أكثر من ثمانية أشهر فقد واجهت مضايقات إدارية وسياسية ومصاعب مالية ومع ذلك فقد تمكّنت من إصدار ثمانية عشر عددا .
بعد خلافه مع تلميذه وصديقه « محمد عبده » الذي رحل إلى بيروت سنة 1302 ه / 1885 م ليسلك طريقه الخاص ، واصل الأفغاني مسيرته في هذا الطور الأوروبي الثري بالأحداث والتحولات ، فزار بلاد فارس مرة أولى سنة 1303 ه / 1886 م بدعوة من الشاه لكن مقامه لم يطل فيها .
ثمّ أقام في روسيا بعد ذلك أكثر من سنتين حيث حرص على تحسين وضع المسلمين بها وغادرها إلى باريس سنة 1306 ه / 1889 م لحضور « المعرض الدولي » ، وأثناء ذلك التقى ، في مونيخ بألمانيا ، بشاه إيران ناصر الدين الذي دعاه ثانية إلى إيران . فسافر فعلا ، لكن العلاقة سرعان ما ساءت بينه وبين الشاه بسبب أفكاره ومواقفه ، فغادر إيران عائدا إلى أوروبا بعد إقامة قصيرة في البصرة بالعراق خصص جانبا منها للتحريض على الشاه وحكمه الاستبدادي ، وفي لندن واصل نشر مقالاته ضدّ الاستبداد السياسي وضد حكم الشاه في مجلة « ضياء الخافقين » التي كان يشرف على إصدارها .
غادر أوروبا سنة 1310 ه / 1892 م ملبّيا دعوة السلطان عبد الحميد الثاني لزيارة الأستانة التي أقام بها مرغما ومحاطا بمراقبة شديدة لنشاطه واتصالاته ، فانتهى بذلك كل ذلك