تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
الليبيرالي ، والتيار القومي . وكان انخراط الأفغاني في المجتمع المصري سريعا ، ليصبح في مقدمة المواجهين للإنجليز ، بصورة غير مباشرة ، ورجال الدين المحافظين والحاكم بصورة مباشرة . وهكذا استطاع أن يجمع حوله خليطا متنوعا من رجال الدين ، والمفكرين والأدباء والسياسيين ، مما جعل مصر تشهد خلال مدة إقامته حركة ثقافية وسياسية نشطة ، أشار إليها سعد زغلول ذات مرة وهو في أوج نشاطه في قوله : « لست خالق هذه النهضة كما قال بعض خطبائكم ، لا أقول ذلك ولا أدعيه ، بل لا أتصوره . إنما نهضتكم قديمة من عهد محمد علي وعرابي ، وللسيد جمال الدين الأفغاني وأتباعه وتلامذته أثر كبير فيها » [ قدري قلعجي ، ثلاثة من أعلام الحرية ، 1994 ، ص 50 ] . لقد كان قدوم الأفغاني إلى مصر سببا في إشعال الحركة الفكرية والسياسية معا . « وأدرك المثقفون المصريون ، تحت تأثير الأفغاني حقيقة أن سيادة الشعب ومصيره رهن يديه ، وهي حقيقة لم تكن سهلة المنال في ذلك الوقت » [ محمود كسبر ، التاريخ بين السياسة والاجتماع ، 1987 ، ص 289 ] . ويكفي الإشارة إلى أن الشيخ محمد عبده ، وسعد زغلول ، ومحمود سامي البارودي ، وأديب إسحاق ، وعبد الله النديم ، وغيرهم من الأعلام كانوا من المتأثرين بالأفغاني ، وهم من رواد العمل السياسي والديني والثقافي . ومما يروى عنه أنه انضمّ إلى المحفل الماسوني ، الذي كان قبلة المثقفين في ذلك الوقت . وفيه قدم أفكاره في الحرية وآراءه السياسية التي تتلخص في ضرورة وجود ملكية شورية ، لكنه اختلف مع أعضاء هذا المحفل ، فخرج عليه ، فقد « أدرك الأفغاني أنه لا يستطيع العمل مع أعضاء هذا المحفل لترددهم وانصرافهم عن الأهداف التي يسعى إليها ، فأنشأ محفلا وطنيا ثانيا بلغ أعضاؤه 300 عضو في فترة وجيزة ، وقام بتأليف حزب سياسي هو الحزب الوطني في أوائل سنة 1879 م » [ قلعجي ، ص 56 ] ، وكان ذلك إيذانا بميلاد الحركة الحزبية السياسية في مصر . وبسبب هذا النشاط السياسي لجمال الدين ، بدأت المطالبة بتحقيق الحرية السياسية . وطالبه السياسيون الأحرار ، بوضع خطة لتأسيس المجلس النيابي المصري ، وهو الأمر الذي كان سببا في خروجه من مصر بإيعاز من الإنجليز . إلى جانب هذا الدور السياسي « أخذ السيد جمال الدين في حمل من يحضر مجلسه من أهل العلم وأرباب الأقلام على التحرير ، وإنشاء الفصول الأدبية والعلمية في مواضيع مختلفة لا تخرج عن إصلاح الأفكار ، وتهذيب العقول : وأخذت الحرية الفكرية تظهر في الجرائد إلى درجة يظن الناظر فيها أنه في عالم خيال » [ الطناحي ، مذكرات الإمام محمد عبده ، القاهرة ، 1961 ، ص 51 ] ، كما كان الأفغاني يؤمن بنشر المعرفة والعلم الحديث بالتربية والتعليم والتثقيف والتهذيب . في الطور الثاني من حياته ( 1299 ه - 1882 م / 1310 ه - 1892 م ) وأصل جمال الدين الأفغاني جهوده الفكرية والوطنية التي عرفتها المرحلة المشرقية السابقة وإن كان تألقه في هذا الطور الأوروبي أكثر . أقام أولا