تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
الاجتماعية والأساس المحكم لمدنيتها » . لذلك كانت رسالة « الرد على الدهريين » رسالة ذات طابع جدلي ترى في الإسلام توفر كل شروط نيل السعادة ، ذلك أنه يحقق للفرد والجماعة التميز الإيماني والخلقي والتوازن العقلي والتربوي مع توفير للتضامن الاجتماعي والفاعلية الحضارية . لهذا ركّز المؤلف على إظهار تهافت المذهب المادي الدهري مبيّنا جذوره التاريخية ومناهضته للتمدن وما يفضي إليه من نتائج مدمرة أكّدتها الأحداث قديما وحديثا . تواصل هذا التوجه المنطلق من اعتراف بتخلّف العالم الإسلامي المتمثّل - حسب الأفغاني - في عدم الوعي بالخصوصية الدينية والحضارية للإسلام فيما نشره بعد ذلك في مقالاته ب « مصر » ، ثم ب « باريس » على صفحات « العروة الوثقى » ، ثم ب « لندن » بعد ذلك في « ضياء الخافقين » . يتضح نفس هذا الغرض في كتابه عن تاريخ أفغانستان وكذلك فيما جمعه له « محمد المخزومي » من « خاطرات » . هو عين ما نقف عليه فيما كان ينشره الأفغاني من ردود ضمن مقالاته في أوروبا للردّ على السياسات الاستعمارية وما ترتكز عليه من تأكيد على قيمة « التقدم » في ألمانيا الغربية ، ومن إنكار لكل خاصية ذاتية للإسلام . لقد كان في مجمل كتاباته يعتبر أن إزالة الجوانب الخرافية التي شوّهت حياة المسلمين وفكرهم في العصور الأخيرة كفيلة باستعادة الإسلام فاعليته الملائمة لمقتضيات العصر . لذلك فقد أدان المذهب الجبري الذي تبناه العديد من المسلمين تعبيرا منهم عن سوء فهم للإيمان بالقضاء والقدر معيدا الاعتبار للحرية الإنسانية وللفعل البشري . هذا الاختيار تمثل لدى الأفغاني في العمل على الدعوة إلى النظم الدستورية الساعية إلى تحقيق العدل ، لكن الأهم من ذلك أن هذا التوجه كان يتنزل في سياق أزمة للفكر الإسلامي سعى الأفغاني إلى تجاوزها بالدعوة إلى حركة دينية تشابه حركة لوثر البروتستنتية . غير أن مثل هذه الدعوة لم تبلور لنفسها منهجا له أدوات التحليل الواقعي والمنطق العلمي الضروريين لتحديد تجاوز حقيقي ومتكامل للمعضلة . لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون رجل المواقف الفكرية الإصلاحية التي فتحت مجالات للبحث والنظر تولتها تيارات لاحقة حرصت على امتلاك العدة المعرفية العصرية قصد انخراط فعلي في البناء الحضاري . وقد أخذت فكرة الجامعة حظا كبيرا في حياة الأفغاني . فمثلما ذكرنا أنها كانت قضية ملحة عليه ، وكان يرى أنّها السبيل لمواجهة الاستعمار في كل بلاد الشرق ، فإن المؤرخين يختلفون حول أصل هذه الفكرة ، هل هي دعوة السلطان عبد الحميد ، أو أنها مشروع الأفغاني وأعلنه السلطان عبد الحميد . وأيا كان الأمر ، فإن « فكرة الجامعة الإسلامية لم تقف عند الشأن الداخلي ، بل كانت مضمونا معاديا للاستعمار » [ فاروق أبو زيد ، الفكر الليبرالي في الصحافة المصرية 1997 ، ص 73 ] . ولكن الأفغاني لم يستطع أن يبين العلاقة بين القومية العربية ، وفكرة الجامعة الإسلامية ، فكانت فكرته مثار انتقاد وهجوم من التيار القومي ، لأن مفهوم الوحدة الإسلامية عند الأفغاني كما يرى محمد عمارة « ينبع من رابطة الملة والدين . فإذا هي « التضامن » تضامن الملة الإسلامية والتساند ضد أعدائها »