التدفق الحركي والفكري الذي تميزت به المرحلتان السابقتان ، يؤكد عديد من الباحثين أن وفاته في عاصمة السلطنة العثمانية سنة 1315 ه / 1897 م كانت نتيجة تدهور صحّي مفاجىء لا يستبعد البعض أنه كان مفتعلا قصد التخلص منه نهائيا . ومهما يكن من الأمر فإن هذه المرحلة الثالثة والأخيرة من حياة جمال الدين كانت بائسة على المستوى الشخصي ومجدبة على الصعيد الفكري والحركي . وقد دفن في إحدى مقابر « إسطنبول » ثم نقلت رفاته سنة 1364 ه / 1945 م إلى أفغانستان لتدفن قرب العاصمة « كابل » .
كانت حياة جمال الدين الأفغاني لافتة للنظر في أكثر من مستوى ، ففي الجانب الشخصي كانت متميزة بالحيوية والحركة مع عزوف عن كل ما يمكن أن يعطل هذا السعي الدؤوب ، لذلك اختار أن يظل أعزب طول حياته ، يعيش على الكفاف ويعرض عن الاستقرار في مكان واحد لفترة طويلة .
وفي المستوى العلمي كان صاحب معارف واسعة بالفلسفة الإسلامية والمنطق والمذاهب الفقهية والكلامية ، كما كانت له عناية بالتاريخ والآداب والعلوم مثل الرياضيات والفلك . هذا مع حرص الأفغاني الشديد على ربط الصلات الوثيقة مع النخب المتعلمة في جهات مختلفة من العالم العربي والإسلامي . مع ذلك فإنه لم يكن مكثرا من التآليف رغم ما كان يشهد له به من تابع دروسه ومحاضراته ومقالاته من الاتساع والعمق في الدائرة العلمية .
من جهة ثالثة فإن جمال الدين الأفغاني في علاقاته مع رجال السلطة في البلاد الإسلامية خاصة ( أفغانستان ومصر ثم فارس والدولة العثمانية ) لم يعبّر عن معارضته المبدئية والجذرية . كان يوحي في كل هذه الحالات بأنه ينطلق من توسّم للخير في النخب الحاكمة ، لكنه كان ينتهي دائما في علاقته بها إما إلى قطيعة وإما إلى عداء . وإذا كان البعض يرى في هذا السلوك ما يدل على أنه صاحب شخصية قلقة ومتمردة فإن البعض الآخر يرى فيها ما ينمّ على رؤية سياسية إصلاحية تجعل من أولى أولوياتها مقاومة الهيمنة الاستعمارية بكل الوسائل . من ثمّ يصبح اختيار دعم الأنظمة السياسية في البلاد الإسلامية أمرا يفرضه الحرص على تماسك داخلي أدنى لمواجهة التوسع الأجنبي المدمّر .
إذا أردنا أن نحدد الخط المميز لأبرز ما ميّز حياة الأفغاني وشخصيته فلعلنا نجدها موجزة في عبارته التي حدّد فيها رسالته قائلا :
« . . . الشرق الشرق ! خصصت جهاز دماغي لتشخيص دائه وتحرّي دوائه فوجدت أقتل أدوائه انقسام أهله وتشتت آرائهم واختلافهم على الاتحاد واتحادهم على الاختلاف فعملت على توحيد كلمتهم وتنبيههم للخطر الغربي المحدق بهم » .
ألف جمال الدين الأفغاني بعد خروجه من مصر مبعدا وأثناء إقامته الهندية سنة 1296 ه / 1879 م كتابه في « الرد على الدهريين » بالفارسية ، وقد نقله إلى العربية تلميذه « محمد عبده » بعد فترة وجيزة من صدوره مع تعريف بالمؤلف . ركّز الأفغاني في كتابه على موضوع رئيسي هو ضرورة إثبات الذات وذلك باعتبار أن التمدن الحقيقي مكافىء للدين الذي هو « قوام الأمم فبه فلاحها وعليه مدارها » وأن تلمس السعادة الحقيقية للإنسان لا تكون إلّا في الدين الخالص الذي يمثل « عماد هيأتها
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 208
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢٠٨