تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
في شخصية الأعمش جانبان قد يبدوان متعارضين في ظاهرهما ، فهو في جانب من سلوكه يبدو صارما صريحا ، لا يرائي ولا يداهن أحدا حين يراه يفتقر إلى الظرف واللياقة ، مما أثار بعض معاصريه فوصفه بأنه كان عسرا ، سيّئ الخلق [ تاريخ بغداد ، 9 / 5 ] فقد كان يضيق بلجاجة بعض الفتيان من حملة الصحف ونقلة الأخبار فينهرهم ويشتد عليهم معنفا ويقول : والله لا تأتون أحدا إلا حملتموه على الكذب [ طبقات ابن سعد ، 6 / 342 ] . ويشتد الأعمش على من يراه يجاوز الصواب إلى ما يمكن أن يمسّ سلامة المعتقد ونقاء الإيمان . فقد بعث إليه والي الكوفة ، عيسى بن موسى ، بألف درهم وصحيفة ليكتب له فيها حديثا ، دون أن يحضر مجلسه ، فكتب إليه الأعمش سورة الإخلاص ، وبعث بها إليه . وحين عنّفه الوالي على ذلك كتب الأعمش إليه : « أفظننت أني أبيع الحديث » ؟ ولم يكتب له ، وحبس المال لنفسه ، وله في ذلك حكايات كثيرة مع الولاة والرؤساء ، حتى قال معاصره عيسى بن يونس : « ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش ، مع فقره وحاجته » [ حلية الأولياء ، 5 / 47 ؛ م . س ] . ومن جانب آخر تتجلى روح الظرف والدعابة والمرح والفكاهة عند الأعمش حتى وصف بأنه كان ، مع جلالته في العلم والفضل ، صاحب ملح ومزاح ، وأنه كان لطيف الخلق مزّاحا ، حتى أن ابن طولون الشامي صنّف في ذلك كتابا سمّاه « الزهر الأنعش في نوادر الأعمش » [ الكنى والألقاب ، 2 / 45 ؛ م . س ] . وله في ذلك حكايات كثيرة مروية ، منها أن رجلا جاءه وكان نبيلا كبير اللحية فسأله عن مسألة خفيفة في الصلاة ، فالتفت الأعمش إلى جلسائه فقال : انظروا إليه ! لحيته تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث ، ومسألته مسألة صبيان الكتاب [ م . س ] . إلى جانب هذه الموازنة بين الجدّ والصرامة من جهة ، والظرف والدعابة من جهة أخرى ، كان الأعمش على قدر كبير من الدقة والأمانة في التقيد بحدود الفرائض والعبادات ، فقد حدّث وكيع بن الجراح ( ت 197 ه ) معاصره فقال : كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى ، واختلفت إليه قريبا من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة [ م . س ] . وكان يحيى القطان يقول فيه : كان من النسّاك ، وكان محافظا على الصلاة في جماعة ، وعلى الصف الأول . قال : وهو علامة الإسلام . وقيل أيضا : مات الأعمش يوم مات ، وما خلّف أحدا من الناس أعبد منه [ م . س ] . وكان نسك الأعمش وزهده سببا في تبسطه في ملبسه وعدم اهتمامه به ، حتى بلغ حدّا لفت اهتمام أصحابه واعتراض بعضهم . فقد روى الأعمش أن مالك بن الحارث استعان به في حاجة ، فجاء في قباء مخرّق ، فقال له مالك : لو لبست ثوبا غيره ، فقال له الأعمش ؛ امش ، فإنما حاجتك بيد الله . فكان مالك يقول في المسجد : ما صرت مع سليمان إلا غلاما [ سير الذهبي ، 6 / 228 ] . وكان الأعمش يقول : لولا القرآن وهذا العلم عندي لكنت من بقّالي الكوفة . [ م . س ] . استطاع الأعمش بما رزق من ذكاء وفطنة