ألا إن تقوى الله خير مغبّة * وأفضل زاد الظاعن المتحمّل
ولا خير في طول الحياة وعيشها * إذا أنت منها بالتّقى لم ترحّل
[ حماسة البحتري ، 250 ]
لربما نسبة هذه الأبيات إليه يقربها من الشك ، فالمعاني فيها إسلامية ، لكن أبيات الحكمة السابقة ليست بعيدة عن روح الشاعر كما تظهرها مرثيته التي حوت بعضا من معانيها ، كما سيأتي .
وبقطع النظر عن الشك في هذه الأبيات ، فإنها تطرح قضية قابلة للتفكير في عقيدة الشاعر ، مثلما تطرح سؤالا مهما : هل كان أعشى باهلة ممّن « كان . . . يتأله في جاهليته ويتعفّف في شعره ، ولا يستبهر بالفواحش ، ولا يتهكم في الهجاء » كما قال ابن سلام ؟
[ طبقات الفحول ، 1 / 41 ] .
ومما يدعو لهذا السؤال أيضا أن هذا الشاعر في ذكره قاتل أخيه لا يهدد ولا يتوعّد وإنما يكتفي بالدعاء عليه ، كما أنه يذكر الله ويدعوه أن يتلطّف بأخيه على ما سنرى . فهل تشكل هاتان الملاحظتان إشارة للإجابة بنعم عن ذلك السؤال ؟
والقصيدة الرثائية - على أية حال - مشهورة ، فقد رواها كاملة أكثر من مصدر : رواها الأصمعي فكانت الأصمعية الرابعة والعشرين ، وعدد أبياتها فيها ثلاثة وثلاثون [ الأصمعيات ، 92 / 87 ] ورواها القرشي فكانت عدة أبياتها في جمهرته خمسة وثلاثين بيتا [ جمهرة أشعار العرب ، 2 / 713 - 721 ] ، ففي الظاهر أن في الجمهرة بيتين فقط زيادة على الأصمعيات ؛ لكن الزيادة الحقيقية أربعة أبيات ، لأن في الأصمعيات بيتين ليسا في الجمهرة ، وهما :
كأنه بعد صدق القوم أنفسهم * باليأس يلمع من قدّامه البشر
إنّي أشدّ حزيمي ثم يدركني * منك البلاء ومن آلائك الذّكر
قال المبرّد تعليقا على البيت الأول - فيما يرويه المرتضى - : لا نعلم بيتا في يمن النقيبة وبركة الطلعة أبرع مع كل هذا البيت [ آمالي المرتضى ، 2 / 23 ] . ولا أدري كيف فات القرشي رواية هذا الأثر الجميل الذي تركه في نفس الآمدي ! وتقديرا للقيمة المعنوية التي للبيت فقد روته مصادر أخرى [ خزانة الأدب ، 1 / 198 ] .
أما الأبيات الزائدة في الجمهرة فهي :
يمسي ببيداء لا يمسي بها أحد * ولا يحسّ ، خلا الخافي بها أثر
ضخم الدسيعة متلاف أخو ثقة * حامي الحقيقة منه الجود والفخر
فنعم ما أنت عند الخير تسأله * ونعم ما أنت عند الشرّ تنتظر
إن تقتلوه فقد يسبي نساءكم * وقد تكون له المعلاة والخطر
والمنتشر الذي قيلت القصيدة في رثائه ، هو :
ابن وهب بن عجلان بن سلمة بن كراثة بن هلال بن عمرو بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس