تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
كاملة : « من مراثي لة بالبلاغة والبراعة » [ الأمالي ، 2 / 20 ] . أما البغدادي فذكر الأمور التي دعته إلى أن يورّدها كلها مشروحة : « منها أنها نادرة قلّما توجد ، ومنها أنها جيدة في بابها ، ومنها أنّ كثيرا من أبياتها شواهد في كتب العلماء » [ خزانة الأدب ، 1 / 188 ] . وسنتقرب من جو القصيدة معتمدين على رواية الأصمعي لأقدميتها : بدأ الأعشى بتصوير تلقيه خبر قتل أخيه وحالة الاكتئاب التي أصابته ، وفيض العواطف التي جاشت بها نفسه :
قد جاء من عل أنباء أنبّؤها * إليّ لا عجب منها ولا سخر فظلت مرتفقا للنجم أرقبه * حرّان مكتئبا لو ينفع الحذر وجاشت النفس لمّا جاء جمعهم * وراكب جاء من تثليث معتمر
ثم بدأ بتعداد مناقب المنتشر ، فذكر جوده وتكفله إطعام القوم أيام الجدب والعوز ، حتّى غدت إبله تفزع منه فتتوقّف عن الاجترار خوفا لما اعتادت أن يفجأها بالنحر للأضياف :
وتفزع الشّول منه حين يفجؤها * حتّى تقطّع في أعناقها الجرر
ثم مدحه بسعة آثاره الحميدة التي تراها في كل أرض ولدى كل إنسان ، وبسر أخلاقه في تعامله مع الآخرين وبصفائه ووفائه للصديق ، وبنصرته كل من استغاث به ، وبجمعه غلبة الأعداء في الحروب إلى كسب المال في حال العسرة ، إلى الاتّزان الجاد الحذر في كل محفل ، وبالتوازن فيما يمنح من خير ، وما يمنع من ظلم ، وبقناعته فيما تيسر من طعام وشراب ، وبتمام خلقه وصحّة جسمه ، وبإدمانه على الإدلاج ليلا ، وبتطويعه الأمر الصعب ، وبمفاجأة أعدائه حتّى أصبحوا غزوه في كل حين :
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه * من كل فجّ إذا لم يغز ينتظر
ثم يفصح عن هول المصيبة التي ابتلي بها وقومه بعد مقتل فارسهم وسيدهم ، وعن جزعهم لها وصبرهم عليها :
عشنا بذلك دهرا ثم فارقنا * كذلك الرمح ذو النصلين ينكسر فإن جزعنا فقد هدّت مصيبتنا * وإن صبرنا فإنا معشر صبر
وينهي القصيدة ، بعد هذا ، بالدعاء على هند ابن أسماء ، قاتل المنتشر ، أن لا يهنأ بظفره ، وبالإشارة إلى عادة الخيانة في طبع آل نفيل ، وبدعاء الله أن يترفق بالمنتشر . وهو يؤكد أن المنتشر - وإن كان قد سلك في حياته سبيلا ارتضاه لنفسه - فإنه يبقى شهابا يستضيء به قومه كلما ألمت بهم مصيبة كما يستضيء الساري في ظلمة الليل بالقمر :
إما سلكت سبيلا كنت سالكها * فاذهب فلا يبعدنك الله ، منتشر ورّاد حرب شهاب يستضاء به * كما يضيء سواد الطّخية القمر
لقد أخذت القصيدة شهرتها من كونها زاخرة بالمشاعر الأخوية الصادقة التي فاضت بعفوية وأصالة ، كما أنها جاءت محتفية بالقيم الاجتماعية والمزايا الإنسانية والصفات