الأسود الدؤلي بفضل قيامه بنقط المصحف دور في تمهيد الطريق إلى الدراسات النحوية بل ليس من المستبعد أن يكون « أول من وضع في النحو كلاما » على حدّ تعبير ابن النديم [ الفهرست ، ص 66 ] ولا شك أننا لا نجد في أقدم ما لدينا من الوثائق النحوية أي كتاب سيبويه إحالات على أقوال أبي الأسود ونقلا لآرائه ، لكن ينبغي أن نسجّل ما أشار إليه ابن النديم من أنه وقف على أربع أوراق في النحو لأبي الأسود ممّا يدلّ على أنّ الرجل تجاوز الوعي بما في النصوص من نحو ضمني إلى التصريح به ولو في شكل ملاحظات بسيطة وفي إيجاز شديد .
ولعلّ دور أبي الأسود في تاريخ علوم اللسان لا يمكن فصله عن دور أربعة أعلام يعدّون من أصحابه أو تلامذته وهم نصر بن عاصم ( ت 89 ه / 707 ه ) ، وعنبسة الفيل ، وميمون الأقرن ، ويحيى بن يعمر . فمنهم من ينسب إليه نقط المصحف ومنهم من قام بإعجامه أي التمييز بالنقط بين الأحرف المتماثل شكلها ، بل منهم من يعتبر « أوّل من وضع العربية » وهو نصر بن عاصم [ أخبار النحويين ، ص 20 ] تارة ، وعبد الرحمان بن هرمز تارة أخرى [ نفسه ، ص 22 ] فهؤلاء مع أبي الأسود يمثّلون جيلا بادر بلا شك إلى النظر في النصوص وخاصّة القرآن لضبط رسمه ، ووفّر المواد الأولى والمنطلقات التي ستستغلها الأجيال الموالية وتبني النحو على أساسها ، ويمثّل أصحاب أبي الأسود المذكورين حلقة وصل بينه وبين الجيل الموالي الذي أشهر أعلامه عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي ( 117 ه / 735 م ) ، وأبو عمرو بن علاء ( 154 ه / 770 م ) ، وعيسى ابن عمر الثقفي ( 149 ه / 766 م ) ، وهو الجيل الذي يعتبر قد فصّل النحو شيئا ما ، وشرح العلل ، ووضع بعض المصنّفات في هذا الفن وإن كنا لا نعرف عنها شيئا بل لا يكاد يعرف عنها شيئا أصحاب كتب التراجم .
ولئن كنا لا نعرف شيئا عما يكون الدؤلي قد صنّفه في المجالات التي اشتهر بها أي النحو وضبط المصحف فقد سلم من الضياع شعره ، وتتميّز تجربة الدؤلي الشعرية بأنها تتجاوز أغراض الشعر العربي التقليدية ، فلم يتغزّل ولم يرث أو يمدح إلّا نادرا وبما يتناسب وعقيدته الشيعية ، فله خمسة أبيات في مدح الإمام علي [ شعر رقم 64 ] ، وله تسعة أبيات في رثاء الحسين [ رقم 66 ] ، وثمانية أبيات في بني هاشم [ رقم 67 ] . وكان مصاحبا للإمام علي محبّا لأهل بيته . وكان بنوقشير - جيرانه وأصهاره - يرجمونه بالليل لحبّه لعلي ، فإذا ذكر لهم رجمهم قالوا : إنّ الله يرجمك فيقول لهم : « تكذبون لو رجمني الله أصابني ولكنكم ترجمون فلا تصيبون » . فهجاهم ، مؤكدا حبه لعلي وآله [ نزهة الألبّاء ، ص 19 ] :
[ الوافر ]
يقول الأرذلون بنو قشير : * طوال الدهر لا تنسى عليّا
فقلت لهم : فكيف يكون تركي * من الأشياء ما يقضي عليا
وله شعر في العتاب والهجاء وتضمن هجاؤه نقدا اجتماعيا . فقد جعل شعره مرآة لواقعه ، وانعكاسا لأحداث حياته وتجاربه فيها ، فربط بين الفن وواقع الذات الشاعرة ، وهذا ما