أما حياته الخاصّة فليس لدينا معلومات دقيقة حولها سوى أنه تزوّج أربع نساء وأنّه ترك ولدين وعددا من البنات . وتشير الأخبار إلى أنّه كان رجلا بخيلا شجاعا ، وينسب أبو الفرج الأصفهاني قولا للجاحظ يفصل فيه علمه ويعدد خصاله وعيوبه : « أبو الأسود الدؤلي معدود في طبقات من الناس وهو في كلّها مقدم مأثور عنه الفضل في جميعها ، كان معدودا في التابعين والفقهاء والشعراء والمحدّثين والفرسان والأمراء الدهاة والنحويين والحاضري الجواب والشيعة والبخلاء والصّلع الأشراف والبخر الأشراف » [ الأغاني ، 2 / 299 ؛ الجاحظ ، البيان والتبيين ، 1 / 324 ] .
ومهما كان الدور الذي اضطلع به أبو الأسود في خلافة علي فإن مكانته في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية راجعة أساسا إلى ما يمكن أن تكون مساهمته في وضع النحو العربي ، لقد اختلفت الروايات في شأن نشأة النحو العربي فنسب وضعه إلى علي بن أبي طالب تارة وأبي الأسود الدؤلي تارة أخرى وإلى نصر بن عاصم الليثي أو عبد الرحمان بن هرمز تارة ثالثة [ أخبار النحويين ، ص 13 ] ، على أنّ أكثر الروايات تنسب وضعه إلى أبي الأسود الدؤلي ، ولئن روي أن واضعه هو علي بن أبي طالب فإن الروايات المعنية لا تنفي مساهمة أبي الأسود في رسمه إذ تشير إلى أنه أخذ أسسه أو حدوده عن علي [ الأنباري ، نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء ، ص 4 ] ، كما تشير مختلف الروايات إلى أنّ الداعي إلى وضع النحو هو تفشّي اللحن وصيانة القرآن منه [ الزجاجي ، الإيضاح في علل النحو ، ص 89 ؛ أبو حيان التوحيدي ، البصائر والذخائر ، 1 / 83 ] ، وقد شكّ عدد من الدارسين المحدثين في أن يكون علي بن أبي طالب أو أبو الأسود هو واضع النحو كما تصوّره الروايات المذكورة أي علما قائما على التبويب والتفريع وتحديد جانب من أمّهات المفاهيم ومصطلحاتها بالإضافة إلى أنه لا يستبعد أن تكون قضية نشأة النحو قد تأثّرت بالخصومات السياسية وخاصة بالاتجاه الشيعي .
ولئن كان من العسير أن يعتبر أبو الأسود واضعا لنحو مبوّب مفرّع بما يقتضي ذلك من اصطلاح وتحديد ، فإنّ الرجل عاش في فترة تضافرت فيها العوامل المهيئة لتمخّض علوم اللسان ، الداعية إلى تناول اللغة بالضبط ، وهي عوامل دينية تتمثّل أساسا في توحيد النص القرآني شرط تمهيد الطريق إلى ضبطه الدقيق ، وتيسير تلاوته ، وعوامل اجتماعية ناجمة عن اختلاط العرب بغيرهم ممّن اعتنقوا الإسلام ممّا اقتضى توفير وسائل تعلّم العربية للمسلمين من الأجناس الأخرى ، ولا يكاد يوجد خلاف حول دور أبي الأسود في نقط المصحف أي تزويده بالحركات والسكنات الضامنة للتلاوة الصحيحة ، وقد عرف بأنه كان يجيد قراءة القرآن . وإذا كان للرواية والذاكرة دور عام في نقل النصّ القرآني وضبطه فان نقطه لمما يحمل من يقوم بذلك على إدراك ما تتّسم به الأبنية والتراكيب من انتظام نتيجة تماثل السياقات وتناظر الدلالات ، ولا يخفى أنّ الوعي بالانتظام من شأنه أن يفضي إلى الوقوف على الظواهر العامة ويمكّن من المبادرة إلى محاولة تقعيدها : فمن الطبيعي إذن أن يكون لأبي
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 686
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٨٦