بعضهم الآخر ، كمحقق شعر الحكم : نايف الدليمي ، ود . عمر فروخ ، قدّرا وفاته ما بين 103 و 106 ه استنادا إلى زمن ولاية عمر ابن هبيرة الذي ولي العراق على فترتين :
الأولى زمن عمر بن عبد العزيز أولا ، ثم ليزيد بن عبد الملك ثانيا ، كان ذلك سنة 103 ه ، وقد استمرت علاقته به حتى وفاة هذا الأخير . . . فتكون وفاة الشاعر ما بين 103 و 106 ه والله أعلم .
كائنا ما كانت السنة التي توفي فيها الحكم ، فقد شغل زمانه بقصصه وأخباره وأشعاره حتى حفظها الرواة وأخبروا بها إلى زمن متقدم هو الزمن العباسي ، كما نرى في الكلام على أغراضه . وكان لعاهته الدور الكبير في تنشيط قريحته الشعرية وشحذ لسانه الشعري على أولي الشأن في حياته .
لا بد من الإشارة إلى أن شعر الحكم بن عبدل لم يجمع في ديوان ، وأن باحثا عراقيا هو محمد نايف الدليمي ، قام بجمعه من عشرات المصادر ، ونشره محققا ومشروحا في مجلة « المورد » العراقية ، في العدد الرابع من المجلد الخامس ، من سنة 1976 ، فبلغ تعداد ما جمعه من شعره 258 بيتا في 39 موضعا ما بين قصيدة ومقطعة وبيت مفرد ، أو بيتين ؛ تبين لي في هذا المجموع وفي معظم الشواهد الشعرية التي أوردها الأغاني ، وبعض المصادر الأخرى ، أن الحكم قد خاض في عدد غير يسير من الأغراض والفنون الشعرية ، يتصدرها غرض رئيس هو الهجاء ، يليه الرثاء فالمدح ، فالتهكم والنقد الاجتماعي ، فالغزل فآداب السلوك ، فالحكمة ، فشئ من الفخر الذاتي . ومعظم هذه الأغراض ، فيما عدا الرثاء والحكمة ، مضمخة بروح الفكاهة والطرافة اللتين جعلتا من شعر الحكم مرويّا على ألسنة الرواة ، سائرا بين الأمكنة والأصقاع البعيدة .
وسأتوقف قليلا عند ثلاثة من هذه الأغراض هي الهجاء والرثاء والحكمة ، لافتا إلى أنني قد عرضت لغير شاهد من أشعار الطرافة والتهكم الساخر ، على وجوه وشخصيات صادفته في حياته ، في فقرات سابقة .
الهجاء : تعدّ داليّته التي نظمها في محمد بن حسان بن سعد التميمي ، صاحب خراج الكوفة في عهد عبد الملك بن مروان ، أطول قصائد الشاعر التي تمّ جمعها ؛ وهي كلها في هجاء ابن حسّان الذي قصده الشاعر في خدمة صغيرة هي أن يضع عن خراج رجل معوز ثلاثين درهما ، كان الرجل قصد الشاعر ليكون وسيطا بينه وبين ابن حسّان ، فرفض هذا الأخير الوساطة ولم يسقط عن الرجل الفقير شيئا من المال .
ويقول الرواة : إن ابن عبدل ما زال يزيد في هذه القصيدة حتى مات ، وهي طويلة ، لم يهتد منها إلا على واحد وخمسين بيتا ، ومنها :
نجوت محمدا ودخان فيه * كريح الجعر فوق عطين جلد
نجوت : استنكهته . الجعر : براز كل ذي مخلب من السباع . العطين : الجلد المنتن . . . .
نجوت محمدا فوجدت ريحا * كريح الكلب مات قريب عهد