وقد أدنيت فاه إليّ حتى * قتلت بذاك نفسي غير عمد
فما يدنو إلى فيه ذباب * ولو طليت مشافره بقند
القند : عسل قصب السكر إذا جمد .
أظنّي ميّتا من نتن فيه * أهان الله من ناجاه بعدي
[ شعر الحكم بن عبدل ، المورد ، ص 107 - 104 ] .
معظم ما في القصيدة ، على هذا المنوال ؛ جملة قبائح وعاهات خلعها على مهجوه ، ولم يلطف في واحدة أو في صورة من صور التشويه المسئ الذي وصلت أصداؤه إلى المكارين في الدساكر والقرى ؛ فيقول أحدهم سائقا بغلته أو حماره : « عد » « أمات الله حسّان بن سعد » . فإذا سمع ذلك أبوه قال :
« بل أمات ابني محمدا ، فهو عرّضني لهذا البلاء في ثلاثين درهما . . » .
الرثاء : هو الوجه المعاكس للهجاء ، لكنه في الميت الراحل الذي بقدر ما تتوطد العلاقة بين الشاعر والفقيد ، تعلو نبرة الإخلاص والتحسّر ، وتاليا صنف الأشعار .
وفي شعره المجموع غير قصيدة رثاء ، على درجة من الصدق والسموّ الشعري . أذكر اثنتين : الأولى ، في والي البصرة بشر بن مروان الذي صحبه الشاعر طويلا وأحبه ، فلم يجد بعده من يسدّ فراغه ، ويحدب عليه :
ما زلت أطلب في البلاد فتى * ليكون لي ذخرا من الذخر
حتى إذا ظفرت يداي به * جاء القضاء بحينه يجري
[ المورد ، 108 ]
والثانية : في بعض قومه من بني غاضرة ، أصابهم الطاعون بالكوفة ، فأفناهم ، تاركا هلعا شديدا على الشاعر ، فكتب فيهم مقطّعة ( ضاديّة ) قوامها أربعة أبيات تقطر حزنا وتوجعا ، كما لو كان الكلام على نفسه وسيرته :
مضوا وبقينا نأمل العيش بعدهم * ألا إنّ من يبقى ، على إثر من يمضي
فقد كان حولي من جياد وسالم * كهول مساعير ، وكلّ فتى بضّ
يرى الشّحّ عارا والسماحة رفعة * أغرّ كعود البانة الناعم الغضّ
[ المورد ، ص 109 ]
لا بد من التوقف ههنا عند أصالة هذا الشعر ومصداقية صاحبه سواء أكان هجاء أم مدحا ورثاء ؛ إنّ من رثاهم الشاعر هم من الذين كان يرى فيهم واحة حياة ميسّرة ، أتاحت له فرصة وضع حدّ للوحشة القائمة التي خيمّت عليه ردحا طويلا من عمره . . .
كذلك ، هم المهجوون الذين ضيّقوا الخناق عليه ، فزادوا من تباريح العيش وكدره ؛ فصوّب نحوهم سهام الانتقام والتجريح .
فالمدح والهجاء عنده قائمان على الصلات التي يتلقاها ، أو الصدّ والحرمان من هذه الصلات . ولا شيء ثابت في السلوك والمبدأ .
إذ يمكن أن يتوجّه المدح إلى أيّ جهة يأنس بعطائها وبهجة نوالها ، والعكس بالعكس فيمن