أما أوصافه الذاتية ، فأهمها : سلاطة لسانه فيمن أساء إليه أو قصّر في العطاء بعد السؤال ، وإذا أجزل له في العطاء فهو مدّاح شكور .
وبسبب عرجه الدائم ، فإنّ العصا لم تفارقه .
لذلك لم يقف بباب الملوك ، وإنما كان يكتب حاجته على عصاه ويبعث بها مع رسله ، فلا يحبس له رسول ، ولا تؤخر له حاجة ، ما دفع يحيى بن نوفل ( الشاعر اليماني الهجّاء : ت سنة 125 ه / 743 م ) إلى القول :
عصا حكم في الدار أول داخل * ونحن على الأبواب نقصى ونحجب
وكانت عصا موسى لفرعون آية * وهذي لعمر الله ، أدهى وأعجب
فكان ابن عبدل يقول ليحيى : يا ابن الزانية ، صيّرت عصاي ضحكة . فاجتنب أن يكتب عليها ، وتحوّل إلى الرقاع .
ومن يقرأ شعر الحكم ويقلب صفحات حياته ، يكتشف أن ما وصف به من فحش الهجاء وخبث اللسان ، لم يكن إلّا تعويضا عما مني به من عاهة وضيق ذات اليد ، من جهة ، ومن تنعّم الناس بما لا يستحقون فلا ينفقون مما آتاهم الله ، للمحتاج وابن السبيل . فكان يطلق لسانه فيهم ويتمادى في الجرح واللغة المكشوفة ، كما نبين في فقرة الأغراض الشعرية . ومع ذلك فقد آلى ألّا تبقى صورته رذلة في عيون الناس ، فضمّن شعره كثيرا من الصور المضيئة التي كان يتمتع بها ، سواء أكان ذلك في معرض الهجاء ، أم الشكوى ، أم أشعار التندر والفكاهة حيث الطبع اللطيف ، والحسّ المرهف ، والظّرف وروح المرح ، من مثل قوله لصاحب العسس ( الحارس الليلي ) وكان محمولا في محفّة وهو سكران ، بعد أن سأله : من أنت ؟ فقال له :
يا بغيض ، أنت أعرف بي من أن تسألني من أنا . فاذهب إلى شغلك ، فإنك تعلم أنّ اللصوص لا يخرجون بالليل للسرقة محمولين في محفّة . فضحك الرجل وانصرف عنه .
وهذا يؤكد خفّة ظله وبساطة حياته .
ونستكشف مزيدا من طبيعته ، في قصيدة ( ضاديّة ) أنشدها في مجلس الحجاج بن يوسف الثقفي ، وفيها :
وإني لاستغني ، فما أبطر الغنى * وأعرض ميسوري لمن يبتغي قرضي
وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتي * فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
شرحهما المرزوقي : فقال : « إني أنال الغنى فلا يكسبني أشرا ولا بطرا ، بل يقرّبني ما أنا له من المتصلين بي ، فأعرض ما يتيسّر لي على طلّاب قرضي . وقد يتعقب الإيسار إعسار ، فأصبر ، وأسبل على نفسي جناح تحملي وتعففي حتى أدرك ميسور الغنى ، ونفسي معي لم أبتذلها ولم أدنّسها بتعريض أو تصريح » . [ شرح المرزقي ، 3 / 1164 ] .
وقد نكشف المزيد إذا قرأنا بائيته المتنازع عليها مع الراعي النميري ، فنقع على صورة لا صلة لها بما شاع عن الشاعر من خبث اللسان والطوية ، وتناول الرجال :
إني امرؤ لم أزل ، وذاك من ال * لّه أديبا ، أعلّم الأدبا