عيون الشعر الحكمي ، صاغها الشاعر بكثير من العمق والبساطة . طارحا فيها رؤى كونية وجودية ، خالصة الانتماء إلى الأدب الإنساني الجميل :
إني رأيت الفتى الكريم إذا * رغّبته في صنيعة رغبا
والعبد لا يحسن العطاء ولا * يعطيك شيئا إلّا إذا رهبا
قد يرزق الخافض المقيم وما * شدّ بعنس رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية والر * رحل ومن لا يزال مغتربا
[ معجم الأدباء لياقوت ، 10 / 238 - 239 ]
رأينا فيما سقنا من شواهد شعرية ، كيف تصلب اللغة الشعرية لدى الشاعر وتخشن ، في جانب ، وترقّ وتلين في جانب آخر ، تبعا للغرض الشعري والمناسبة والمعنى الذي يقصد إليه ، كقوله وهو يخاطب بشر بن مروان الذي لم يعن به ، فأهمله الشاعر واحتجب ، حتى إذا عاتبه لتغيبه الطويل ، لم يجد الشاعر بدا من تذكيره بأسلوبه الملتوي في معاملة الناس الذين يعرفونه جيدا فيعاملونه بالمثل :
يقبلون الخسيس منك ويثنو * ن ثناء مدخمسا دخماسا
لله ما أبلغ وقع لفظة ( الدّخمسة ) التي حملت حروفها ، بتركيبها وتصريفها ، معناها من دون حاجة إلى شرح ، وهذا ما يعرف بملاءمة اللفظ لمعناه . . .
ومثل ذلك ما جاء في « ضاديّته » التي انبرى فيها يتلو سلوكه ومشاعره المتدفقة في قرارة نفسه ، حيث طاوعت القافية ورويّها الصعب ( الضاد ) مكنون نفسه وما يختلج فيها من فضائل ومكارم خافية على الناس ، فانطلقت من عقالها وأبانت عن نفسها بمجريين تعبيريّين متناغمين هما الدفق المعنوي المنظم ، والوقع الصوتي الأجشّ الذي تمثله الضاد المكسورة ، من غضاضة صاحبها ومضضه ومضيضه ( من المضض : التألم ، والمضيض - الجرح المؤلم ) .
وأكثر ما يكشف عن نمطية الكلام ويضع معيارا لمستوى الموافقة والمواءمة بين اللفظ والمعنى ، من جهة ، وما يعتمل في صدر الشاعر من جهة ، هو القافية التي إليها ينتهي الكلام وتتّحد هويّة التعبير والأداء الأدبي اللغوي . وبقدر ما يكون النبض الداخلي محترما مضطرما ، أو مختلا باردا مضطربا ، تعكس القافية ذلك بكثير من الصدق والأمانة .
فلو عدنا إلى الضادية الآنفة الذكر ، وهي من أربعة عشر بيتا ، فإننا لا نجد فيها قافية واحدة قاموسية أو عصيّة على الفهم ، باستثناء :
« الغرض » التي تعني حزام الرحل ؛ وما سواها سهل لين واضح ، برغم صعوبة الرويّ وقلة مشتقاته وجذوره اللغوية .
أما « داليّته » التي يهجو فيها محمد بن حسّان التميمي ، ذات الواحد الخمسين بيتا ، فقد اشتملت على نسبة كبيرة من المفردات - القوافي القاموسيّة الصعبة ، مع أن حرف « الدال » في اللغة غنيّ بمفرداته ، بعد « الراء » و « الميم » و « اللام » و « الباء » و « النون » التي تتضمن معظم ألفاظ اللغة العربية . . ومع ذلك أغرب الحكم في قصيدته ، فجاء بقواف مثل :