أقيم بالدار ما اطمأنّت بي ال * دار ، وإن كنت نازعا طربا
أطلب ما يطلب الكريم من الرّ * زق بنفسي وأجمل الطّلبا
« يقول : مطالبي من الدنيا ومراغبي على حدّ من استعمال الكرم والتعفّف ، لا يزري بي نظر الناظر إليّ ، لأني إذا طلبت أجملت ، وإذا سدّت مفاقري اكتفيت ، ثم لا أعوّل إلّا على نفسي » . [ شرح المرزوقي ، 3 / 1205 ] .
ومن طرائف أخباره ، وجوده في لحظة ما بين ثلاثة عرجان في الكوفة ، وهو رابعهم ؛ وذلك أن أمير الكوفة آنذاك أعرج وهو عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي المتوفى سنة 115 ه / 733 م ، ورئيس شرطه أعرج . . فخرج الحكم يقصد الأمير ، فلقي سائلا أعرج تعرّض للأمير يسأله ، فقال ابن عبدل أبياتا سمّيتها : « إمارة العرجان » :
ألق العصا ودع التخامع والتمس عملا * فهذي دولة العرجان
لأميرنا وأمير شرطتنا معا * يا قومنا لكليهما رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيرنا * وأنا ، فإنّ الرابع الشيطان
التخامع : التظاهر بالعرج . وفي البيت الثالث إقواء ، وقد وقع فيه الشاعر غير مرة .
ومن هذه الطرائف أيضا رؤيا ، قصّها على عبد الملك بن مروان شعرا سلسا جميلا ، فحواها أنه رأى الخليفة قد منحه جارية رشيقة القوام مغناجا وبدرة ( كيسا مملوءا مالا ) ، وبغلة سريعة شهباء اللون ؛ فما كان من عبد الملك إلّا أن دعا وكيله وأمره بإحضار كل ما رآه الحكم ، فيؤكد الشاعر أن ما أحضره وكيل عبد الملك هو هو الذي رآه ، فأعطي كل ما أحضر له ؛ وبينما هو خارج لقيه أحد رجال الإمارة راغبا في شراء البغلة ، فباعها الحكم بما طلب من المال ، ومضى . . .
والطرفة الأغرب أن أحد وجهاء الكوفة محمد ابن حسّان بن سعد التميمي تزوج امرأة من ولد قيس بن عاصم المنقري ؛ زوّجها إياه رجل منهم يقال له : زياد ، فعلم بذلك الحكم ورأى فيه غبنا كبيرا . فأنشأ قصيدة يذمّ فيها ابن حسّان الذي كان يشغل أمين خراج الكوفة - وكان سأله مرة معروفا فلم يلبّه - وأن هذا الزواج وبال على بني قيس بن عاصم ، وأنه ليس إلّا بيعا بالمزاد :
وما كان حسّان بن سعد ولا ابنه * أبو المسك ، من أكفاء قيس بن عاصم
ولكنه ردّ الزمان على استه * وضيّع أمر المحصنات الكرائم
فلما بلغ أهلها شعره أنفوا من ذلك ، فاجتمعوا على محمد بن حسّان حتى فارقها .
ومن أخباره المشوّقة التي تدعو إلى الضحك والشفقة معا ، قصته مع المرأة التي استعانت به لتحصيل ديونها ، بعد أن ألمحت بالزواج منه ؛ ففعل ؛ فأخلفت وقالت شعرا مفاده أنها فعلت معه مثلما فعل ابن بشر بن مروان الذي سأله الحكم مالا فماطل - المرة تلو المرة ، حتى مات . . . فلما علم عبد الملك بن بشر بقصّته ، ضحك ، وأمر له بألفي درهم .
ولعلّ أطرف ما وقع لهذا الشاعر ، وادعاه إلى التأمل والاعتبار ، حكاية زواجه من امرأة من