يقفون دونه . وما يؤكد ذلك ، قوله لبشر بن مروان ، بعد انقطاعه عنه شهرا ، دفع بشرا إلى استئخاره والسؤال عن غيبته :
كنت أثني عليك خيرا فلمّا * أضمر القلب من نوالك ياسا
كنت ذا منصب قنيت حيائي * لم أقل غير أن هجرتك باسا
قنيت : لزمت
لم أطق ما أردت بي يا ابن مروا * ن ستلقى إذا أردت أناسا
يقبلون الخسيس منك ويثنو * ن ثناء مدخمسا دخماسا
المدخمس : إذا لم تكن له حقيقة . . . .
فهو يلزمه ما دام هناك رفد ووصال ، وإلّا فإلى مربع آخر وتواصل جديد . . . .
في شعره المجموع ، قصيدتان متشابهتان ، قيّمتان ، الأولى تخصّه هو وغير متنازع عليها ، وهي « ضاديّة » ، قوامها أربعة عشر بيتا ، والثانية منسوبة إليه وإلى الراعي النميري ، والأرجح أنها له ، « بائية » من أحد عشر بيتا :
نظم الأولى في مناسبة غريبة ، أو بالأحرى ألقاها في لحظة تحدّ من الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق ، الذي اجتمع في مجلسه عدد من الشعراء الذين ضاقوا ذرعا بوجوده بينهم بباب الحجاج . فقالوا : أصلح الله الأمير ، ما الذي يجعل الحكم في بابك ، وليس في شعره غير أوصاف الفأر وما أشبهه ؟
فقال الحجاج : ما يقول هؤلاء يا ابن عبدل ؟
قال : اسمع أيها الأمير ؛ وأنشده ، قصيدة مختلفة عن كثير مما نظم وشاع عنه ؛ فهي مليئة بمناقب الشاعر ، وسلوكه الخلقي الحكيم المترفع عن الدنايا والمحاباة والتسكع والمخاتلة والمصانعة الرخيصة التي يسلكها معظم الشعراء في زمانه . إنها صفحة بيضاء ناصعة الدلالة على رقيّ هذا الشاعر وجمال سيرته التي لا تفضلها إلّا سير الأنبياء والصحابة والبررة ، أشرنا إلى بعض أبياتها في الكلام على « أوصافه » في فقرة سابقة . ونضيف الآن هذه الأبيات :
أكفّ الأذى عن أسرتي وأذوده * على أنني أجزي المقارض بالقرض
وأبذل معروفي وتصفو خليقتي * إذا كدّرت أخلاق كلّ فتى محض
وأقضي على نفسي إذا الحقّ نابني * وفي الناس من يقضى عليه ولا يقضي
( . . . ) ولست بذي وجهين فيمن عرفته * ولا البخل - فاعلم - من سمائي ولا أرضي
لا أظن أنّ الشاعر يتزلف ويتملّق لأحد . . .
فالشعر عنوان واضح وحجّة دامغة في وجه من يتهمه بإذلال النفس والخضوع للرغبات الرخيصة . . . مثل هذا لا يصدر عنه شعر رفيع من هذا النوع . . . إنه نشيد ذاتيّ ، يقرأه الحكم في مجلس مشهود ، يضع النقاط على الحروف ، حتى ولو كان في شعره كلام في الفأر والجرذ ؛ ليس المهم في الموضوع بل في التناول والمغزى المحصّل . والجميل في هذا المحفل أن الحجاج قد تأثر بما سمع وفضّله على الشعراء وأجزل له فوق ما أعطوا .
أما قصيدته « البائية » المنسوبة إليه ، فهي من