هو واللّه عندنا الثقة الأمين ، شرب أو لم يشرب » . وتنسب المصادر إلى خلف بن هشام نفسه رواية لمحمد بن يحيى الكسائي الصغير ، وهو أحد تلامذته ، كما مرّ بنا ، يقول فيها إن الإمام أحمد كان عند خلف يستمع إليه ، ويأخذ عنه ، وكان معه ثلّة من رفاقه الصالحين ، من بينهم زهير بن حرب أبو خيثمة ، ويحيى بن معين . فقال خلف لمحمد ابن يحيى : من رأيته خرج من عندي ؟ قلت فلان . . . فقال : إنه كان قدامي قنينة فيها نبيذ .
فلما رأتهم الجارية جاءت تبعدها . فقلت : لم هذا ؟ فقالت : يا مولاي جاء هؤلاء الصالحون فيرون هذا عندك . فقلت : أضيف إليها أخرى يرى اللّه عز وجل شيئا فأكتمه عن الناس ؟
وأردت أن أنظر إلى عقل هذا الفتى ، يعني أحمد بن حنبل ، فحوّل ظهره إليها ( القنينة ) ، وأقبل علي يسألني عما يريده . فقلت له لما أراد الانصراف من بين القوم كلهم : أي شيء تقول في هذا يا أبا عبد اللّه ؟ فقال : ليس ذاك إليّ ، ذاك إليك . فقلت : كيف ؟ فقال : قال النبي : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .
والرجل راع في منزله ومسؤول عما فيه . وليس للخارج أن يغير على الداخل شيئا . قال خلف ابن هشام : فلما خرج أحمد بن حنبل سكبت خابيتين من النبيذ ، وعاهدت اللّه على أن لا أذوقه حتّى أعرض على اللّه عز وجل .
وقال أبو جعفر التفيلي : خلف بن هشام كان من أصحاب السنّة لولا بلية فيه شرب النبيذ .
كما يروى أن سبب إقلاعه عن احتساء النبيذ يعود إلى ابن أخت له . فقد كان هذا يقرأ على خاله خلف سورة الأنفال حتى بلغ الآية الكريمة
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
[ الأنفال : 37 ] فقال ابن الأخت : يا خال إذا ميز اللّه الخبيث من الطيب ، أين يكون الشراب ؟ فنكس الخال رأسه طويلا ، ثم قال :
مع الخبيث . فقال ابن الأخت : فترضى أن تكون مع أصحاب الخبيث ؟ فأجابه خلف :
يا بني امض إلى المنزل ، فأصيب كل شيء فيه ، وترك الشراب ، وأعقبه بالصوم ، فكان يصوم الدهر إلى أن مات . كما حدث محمد ابن الحسن بن زياد النقاش الذي سمع إدريس ابن عبد الكريم ، تلميذ خلف ، يقول : إن خلف ابن هشام يشرب من الشراب على التأويل ، ثم يتحدث عن حكايته مع ابن أخته .
ويذكر عن خلف أنه كان محبا للعلم ، ولا سيما لعلم النحو الذي كان المعين الأول للقراء ، وعليهم أن يكونوا ضليعين به . ويذكر حمدان بن هانئ المقرئ في هذا الصدد أنه سمع خلف بن هشام يقول إنه أنفق ثمانين ألف درهم حتّى حذق بابا من أبواب النحو كان قد أشكل عليه .
ويقال عنه أنه كان في مجلسه يبدأ بأهل القرآن ، فقد كان يفضلهم على سواهم من تلامذته ومريديه ، ثم يأذن للمحدثين الذين كانوا يؤمون مجلسه ، وكان ذلك يعدّ نبلا في طبعه ؛ كما يقول ورّاقة أحمد بن إبراهيم ، وقد سمعه يقول : « قدمت الكوفة فصرت إلى سلّيم ( أستاذي ) فقال ( سليم ) : ما أقدمك ؟ فقلت :
أقرأ على أبي بكر بن عياش . فقال : ألا تريده ؟ قلت : بلى . فدعا ابنه وكتب معه ورقة إلى أبي بكر . وكان خلف ابن سبع عشرة سنة .
فأتيناه . فقرأ الورقة وصعّد النظر فيّ . ثم قال :
أنت خلف ؟ قلت : نعم . قال : أنت لم تخلف ببغداد أحدا أقرأ منك ؟ فسكتّ . فقال لي :