وكان صارما في الخير ، وقويا في التوجيه ، يتعهدنا بالنصائح الجامعة النافعة ويقول : إياكم والدنيا والحرص عليها ، فقليلها يكفي المرء كساء وقوتا ، ولا تطلب بأضعاف دينكم .
كان يغضب لو أقيمت الصّلاة ثمّ وجد أحد أفراد حاشيته يؤدي بعض الفوائت ، ويقول : إن من يتهاون في ركعة قد يؤول به الحال إلى فقدان الاهتمام بأدائها جماعة في أول وقتها إذا حان وقت الأذان ، كانت الصلاة شغله الشاغل حتّى يؤديها غفر اللّه له ورضي عنه ، كان حريصا على اتباع السنة في كل قول وفعل ، يكره أشد ما يكره التساهل في مندوب أو مستحب ، ويقول : احرصوا عليهما لأنهما سياج يحمي الواجب الّذي يتحتم القيام به ، يحب في اللّه ويبغض فيه ، لم يكن حبه ولا بغضه لدنيا أو جاه أو شرف ، كثير العطف على الفقراء والمساكين ، يؤنسهم بحديثه ، ويقبل عليهم بوجهه ، حتّى إن أحدهم يقبل عليه وهو يرتجف هيبة ووقارا ، ثمّ يتحدث إليه برفق وبساطة حتّى يعيد إليه هدوءه وأنسه ، متواضع لا يعرف الكبر ولا العجب سبيلا في نفسه وقلبه ، يكره التفريط في الوقت وإضاعته ، كنت لا أراه إلا ممسكا بكتاب يقرأه قراءة الباحث المنقب ، ولما ضعف بصره استبدل بقراءته قارئا يصحبه أينما كان ، وكثيرا ما تشرفت بالقراءة عليه ، كان لا يدع القراءة إلا ليعود إليها ، وبين المغرب والعشاء تكون داره أشبه بندوة علميّة يحضرها طلبة العلم ، وكلهم ممسك بكتابه ، وأحدهم يقرأ حتّى يرتفع صوت المؤذن يدعو لصلاة
المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم — صفحة 28
مساهمون: ابراهيم السيف
ص٢٨