والعفة ، لقد قال عنه الكثير كثيرون ، ولسوف يقولون ثمّ يقولون ، وإن مؤلّفاته وآثاره تقول أكثر وأكثر .
لقد دفنت في مقابر العدل بمكّة المكرّمة الطاهرة مرجعية من مراجع الفقه والفتوى ، وعلم من أعلام الحديث والسّنّة ، ونموذج شامخ من نماذج التقوى والصلاح ، برحيله رحمه اللّه حدثت بأهل الإسلام ثلمة واسعة ، وفتحت ثغرة عميقة ، يدرك المتأهل غورها إذا تذكر غزارة علم الفقيد ، ويهوله عمقها حين يتأمل اقتران العلم بالعمل اقترانا أتعب منه الفقيد من بعده .
لم يتوقف يوما عن طلب العلم والاستزادة منه ، ولم يتوقف عن تعليمه وبذله ، ثمّ لم يتوقف فيما رأينا وعلمنا لحظة عن الممارسة العمليّة في لحظه ولفظه وقوله وفعله ، في البيت والمسجد والمكتب والمركب والحضر والسفر ، فهو في كلّ أحواله يربي ويوجه ويعظ ويرشد ، ويعلم ويفتي ويدعو ويفقه ، جانب من جوانب عبقرية الشّيخ وتميزه يتمثل في الحياة الزّاهدة الورعة الّتي أخذ بها نفسه ، لك أن تتخيل رجلا يعيش فيما عهد من حياته أكثر من سبعين عاما - لم يحسب في ذلك سنوات الطفولة والصبا - على حال واحدة لا تتغير من هذا التماسك العجيب والتمسك المتين والموقف الحازم الصارم من الدّنيا ، الّتي لا تذكر في مجلسه قط ، فكل مجلسه قال اللّه عز شأنه وقال رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال أهل العلم ، قراءة وحديثا وشرحا وبسطا ووعظا وتوجيها واشتغالا بهموم المسلمين العامة والخاصة ، يحل
المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم — صفحة 253
مساهمون: ابراهيم السيف
ص٢٥٣