العالية والنشاط الدءوب الّذي كان عليه الشّيخ في كلّ أحيانه ، وفي جميع مراحل عمره وحتّى آخر يوم في حياته المباركة .
ودعني أنقلك من بين هذه الأسطر إلى مجلس من مجالس الشّيخ : فهذا فجر الخميس ونحن في المسجد الجامع الكبير ، حلقة علميّة تجلّلها السكينة ويحفها الوقار والشّيخ منتصب على كرسيه ، شامخا بوقاره وعلمه وكمال خلقه ، وحسن تربيته ، وروعة طرحه وعرضه ويتحلق حوله طلبة العلم على اختلاف أعمارهم وجنسياتهم ومستوياتهم العلميّة ، مع إجلال بالغ للشّيخ عظيم وكمال أدب معه ، ومعرفة لمنزلته وتلطف في الحديث معه ، وطرح السؤال عليه ، حيث يقرأ على الشّيخ في ذلك الدّرس ما يزيد على عشرة كتب ليتولّى التعليق والشرح والبيان ، وإذا تكلم في فن من فنون العلم قلت : ذلك هو تخصصه وهو ميدانه ، وإذا تكلم في الفنون الأخرى علمت أنّك أمام فكر متقد ، وعقل حصيف ، وبديهة حاضرة وموسوعة علميّة لا نظير لها ويستمر ذلك الدّرس بعد صلاة الفجر ما يقرب من ثلاث ساعات ، ولا أبالغ إذا قلت : ما من واحد من الحضور إلّا وتأتيه سنة من نعاس أو شرود ذهن ، لكن الشّيخ حاضر بكل قواه ، وبدقيق المتابعة ، فلا تقرأ كلمة إلّا وقد أحاط بها وتأملها ، حتّى أنّه ليوقف القارئ على الأخطاء المطبعية ، ولتواضعه واحتياطه يقول : ضع على هذا الموضع علامة ولتراجع الأصول والنسخ الأخرى ، وذلك حتّى لا يفتح الباب للتشكيك في الكتب .
المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم — صفحة 173
مساهمون: ابراهيم السيف
ص١٧٣