تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
وكان صابرا نزلت به كوارث شديدة فلم تضعفه ولم تخرجه عن اتزانه وخلقه ، وكان ذا روح خفيفة ، قلما يخلو مجلسه من إلقاء نكتة مهذبة واقعية تنشط السامع وتسره ، وتؤدي غرضا توجيهيا ، وكان بعيد النظر ، عميق الفكر ، له جولات نقدية موجزة يدركها الواعي من جلسائه ، ولا يذكر في مجلسه أحد بسوء ، وكانت معرفته بالرّجال المعاصرين من الأعلام معرفة دقيقة وكان حكمه عليهم حكما سديدا ، يعرف أوضاعهم الاجتماعيّة ، وعادات بيئاتهم ، ومدى تأثرهم بذلك كلّه . وكان كريما كرما أصيلا ، لا يتكلف يريد المباهاة والمفاخرة ، بل يقدم ما تيسر وما كان أعده لنفسه ، وكان بذلك قادرا على أن يقيم في كلّ يوم وليمة ، وكان إذا علم بمجيء عالم يعرفه دعاه إلى الطعام وقد حضرت الكثير من هذه الولائم ، وبيته مفتوح كلّ ليلة للزائرين وطلّاب العلم والمستفتين ، والّذين يبغون الشّفاعة في أمر من أمورهم ، إن حياة شيخنا المباركة تستحق أن نكتب فيها مؤلّفات ، ولست أدعي أن هذه الكلمة قد وفت فقيدنا العظيم حقه من التّرجمة ، ولكنّها كلمة وفاء وعرفان بالجميل ، رحمه اللّه وغفر له وأحسن جزاءه . كانت حياته حافلة بالجد النافع من الأعمال ، فلم يكن يشغل الشّيخ عن العلم والعبادة ولقاء النّاس وتعليمهم شيء ممّا يشغل الآخرين ، فلم يكن الشّيخ يسمع الإذاعة ، ولم يكن يرى التلفاز ، ولم
المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم — صفحة 357 | ابراهيم السيف