دجل الدجالين ، من القصاص والوعاظ الّذين يأتون في دروسهم بالأقاصيص الممتعة الّتي تشد السامعين وتمتعهم ، وتستحوذ على إعجابهم ولا أصل لها ، والعامة هذا شأنهم في أغلب البلاد ، فألقى عليهم درسا ملأه بمثل تلك الأقاصيص الغريبة ، فأعجبوا بالدّرس واستمتعوا ، فلما رأى ذلك باديا على وجوههم سألهم : ما رأيكم أهذا الدّرس أحسن أم الدّروس السابقة ؟ قالوا بل هذا إنّه درس جميل ممتع ، فقال لهم : هذا كلّه غير صحيح ، وما كنا عليه في دروسنا السابقة هو الصواب ، فأفهمهم بهذه الطريقة العمليّة أنّه ليس عاجزا عن أن يأتي في دروسه بما يستحوذ على إعجابهم ، ولكن الحق هو الّذي ينبغي أن يكون رائد الموجّه والعالم .
إن العالم ينبغي أن يكون مربيا مرشدا ، يقول الحق ولا يخشى في اللّه لومة لائم ، لا يداري ولا يتكلف التأويل ليسوغ للناس ما يحبون من الخرافات والأباطيل ، وقد ابتلي المسلمون من زمن بعيد بالقصاص الّذين يملئون مواعظهم بالأحاديث الموضوعة والواهية ، ويأتون بالقصص الغريبة ولو كانت باطلة ليجعلوا النّاس يقبلون عليهم .
وكان الشّيخ رحمه اللّه يحذر النّاس من الوقوع في أحابيلهم ، وكانت إحاطته بمفردات اللّغة العربيّة تكاد تكون إحاطة شاملة ، فلقد كان يصحب القاموس المحيط ، وقد حدثني أنّه يجد متعة في قراءة مواده .
المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم — صفحة 352
مساهمون: ابراهيم السيف
ص٣٥٢