تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
من أصله ، فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء فرع بعد أصله ؟ وإنما النّاس في الدّنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا ، وهم فيها نهب للمصائب ، ومع كلّ جرعة شرق ، وفي كلّ أكلة غصص . فاسترجعت قائلا : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، غفر اللّه له ، وأكرم نزله وعوضه الجنة ، وعوض المسلمين خيرا . صحبته ما يزيد على اثنين وثلاثين عاما ، ما تركت مجلسه في أسبوع إلّا أن يكون أحدنا مسافرا ، وقلما كانت سفراتنا تطول ، وقد جاورته سنين عديدة فكان نعم الأستاذ والجار ، لقد تعلمت منه في هذه الصحبة أمورا كثيرة ، منها ما يتعلق بالناحية السلوكية ، ومنها ما يتعلق بالناحية الشّخصيّة ، لقد كنت ألجأ إليه في كلّ أمر من هذه الأمور ، وكان يمدني بالرأي السديد ، والتوجيه القويم ، لقد أكرمه اللّه بالعقل المسدد ، والعلم الواسع ، والرأي المحكم ، وعلى الرغم من تلمذتي عليه ما كان يعاملني إلّا على أني زميل له ، تواضعا منه وكرما ، أحسن اللّه إليه وجزاه عنا الخير . وأني منذ طفولتي إلى هذه السّاعة وأنا أعاشر العلماء ، أتتلمذ على أيديهم ، وأتلقى منهم ، وأباحثهم ، ولا واللّه لم ألق عالما مثله في سعة اطلاعه ودقة استحضاره وحفظه ، وسلامة منهجه ، واستقامة حياته وجولان ذهنه ، وقدرته على إعطاء الحكم الدقيق في المسألة المطروحة ، ومعاصرته لأحداث زمانه ، لقد كان يعيش عصره ، ويدرك بعمق شراسة الغزو الفكري والاستعماري للمسلمين ، ويعرف