الحضيض ، ولكنه يحتفظ بك معلقا في الهواء ، لا تبلغ الأرض فتمشي عليها ، ولا تبلغ أعلى الجو فتحلق فيه تحليق النسر ) وليس في هذا الكلام أي مساس بالأسلوب والصناعة ، بل هو متوجه إلى الفكرة والروح ، فالاختلاف بين السيد والدكتور لم يكن في طريقة المقاييس نفسها ، فمفاضلة السيد ومقارنته وقعت بين أسلوب وأسلوب ، والدكتور بين روح وروح ، والفرق بينهما كالفرق بين الوسيلة والغاية ، وكل منهما مصيب في قوله ، صادق في حكمه ، بناء على صحة مبناه ، وصدق ما افترضه من المستند والمدرك ، فشعر أبي فراس خال من التعقيد والغموض الذي يكثر في شعر المتنبي ، ويتسرب إلى الذهن بكل سهولة ، ولا يحتاج إلى الشروح والتفاسير ، مع أحكام الأسلوب ، وإبراز المعنى في أجمل قالب ، حتى كأن الشاعر من عصرنا هذا الذي عذبت فيه لغة الأدب ، ورقت ألفاظه ، فأبو فراس من هذه الناحية يفوق المتنبي ، وبهذا الاعتبار فضله السيد ، لأنه معيار حسن الشعر عنده ، والدكتور لعله لا ينكر ذلك ولا يجحده ، ولكنه يرى أنه ليس هو الشيء الوحيد في حسن الأدب ، ولا هو كل شيء في جمال الشعر ، بل هناك مزايا يجب مراعاتها ولا يجوز إهمالها ، على أن أبا فراس لا يمتاز في الأسلوب فحسب ، فإن شعره يفيض بالبطولة المنبعثة من قوة نفسه وشجاعتها ، ويزخر بالحماسة المستمدة من حريته وإبائه ، إلا أنه ضيق التفكير ، غير واسع الخيال ، ولا بعيد الغور بالقياس إلى المتنبي ، فالأبي غير العالم ، والشجاع غير الغواص ، وعند المتنبي سعة الخيال ، ودقة التصوير ، وعمق الأفكار ، وتفاصيل جزئياتها ، والإحاطة بجميع أطراف الموضوع ونواحيه ، ومعرفة فروعه وحواشيه ، وأبو فراس لا طاقة له بغير ذكر العام والكلي ، فإنه ينظم القضايا ويرسلها إرسال البديهيات التي يشترك فيها العالم والجاهل ، ولا تحتاج إلى اجهاد ، ومثل هذا لا يروق للأستاذ العالمي في الأدب العربي الذي ينظر إلى روح الشاعر ، فيتصل بأفكاره ومكنونات نفسه وبواعثها ، ويحس بشعوره ويشعر بإحساسه ، ثم يضم ذلك إلى ما تفرضه قوانين الفلسفة الحقة ، والقيم الصحيحة ، فقد تغيرت الحياة العقلية ، والنظريات العلمية أي تغيير ، وتحولت إلى حقائق لم يألفها الأقدمون ، فمن
مع موسوعات رجال الشيعة — صفحة 324
مساهمون: السيد عبد الله شرف الدين
ص٣٢٤