من السلطان الملك المنصور عسكرا ، فسيّر عسكرا تقدمه أمير ، يقال له : الجكاجكي ، فتوجّهوا إلى مكّة وأخذوها ، وأخرجوا أبا نمي منها . وخطب لجمّاز ، وضربت السكّة باسمه ، وذلك في سنة سبع وثمانين ، وبقيت في يده مدّة يسيرة .
ثمّ إنّ امرأة يقال لها : امّ هجرس من صبايا خزيمة سقت الأمير جمّاز سمّا ، فاضطرب له جسمه ، وحصل من الجكاجكي مراسلة إلى أبي نمي في الباطن ، فعرف جمّاز أنّه مغلوب ، فرحل عن مكّة ، ووصل إلى المدينة ، وهو عليل من السمّ ، فلم يزالوا يعالجونه حتّى برئ ، وأرسل الأمير جمّاز بالجكاجكي مقيّدا إلى السلطان ، فحبسه ، ولم يزل في يد أبي نمي إلى أن توفّي .
قلت : الملك المنصور المشار إليه هو قلاوون الصالحي ، ولعلّ سبب انجاده لجمّاز على أبي نمي ، عدم وفاء أبي نمي باليمين التي حلفها للمنصور قلاوون . ويبعد جدّا أن يعين أحدا على أبي نمي مع وفاء أبي نمي باليمين المذكورة ؛ لأنّ الملوك تقنع من نوّابهم بالطاعة وإظهار الحرمة ، سيّما نوّاب الحجاز .
وهذه نسختها على ما وجدت في تاريخ شيخنا ناصر الدين بن الفرات العدل الحنفي ، وهي : أخلصت يقيني ، وأصفيت طويّتي ، وساويت بين باطني وظاهري في طاعة مولانا السلطان الملك المنصور وولده السلطان الملك الصالح ، وطاعة أولادهما ووارثي ملكهما ، لا أضمر لهم سوء ولا غدرا في نفس ، ولا مال ولا سلطنة . وأنّي عدوّ لمن عاداهم ، صديق لمن صادقهم ، حرب لمن حاربهم ، سلم لمن سالمهم .
وأنّني لا يخرجني عن طاعتهم طاعة أحد غيرهما ، ولا ألتفت في ذلك إلى جهة غير جهتهما ، ولا أفعل أمرا مخالفا لما استقرّ من هذا الأمر ، ولا أشرك في تحكيمهما عليّ ولا على مكّة المشرّفة وحرمها ، وموقف حلّها زيدا ولا عمرا .
وأنّني ألتزم ما اشترطته لمولانا السلطان وولده في أمر الكسوة الشريفة المنصوريّة الواصلة من مصر المحروسة ، وتعليقها على الكعبة المشرّفة في كلّ موسم ، وأن لا يتقدّم علمه علم غيره .
وأنّني أسبل زيارة البيت الحرام أيّام موسم الحجّ وغيرها للزائرين والطائفين والبادين ، والعاكفين اللائذين بحرمه ، والحاجّين الواقفين .
الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 202
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٢٠٢