فسار في أثناء سنة تسعين وسبعمائة ، وهو حنق عليهم إلى مصر ، وما وجد بها الإقبال الذي كان يعهده ، وأقام بها مطلقا ، إلى أن زالت دولة الملك الظاهر ، وصار الأمر لمن كان قبله ، وهو الصالح حاجّي بن الأشرف شعبان ، والمدبّر دولته الأمير يلبغا الناصري ، فسعى له عنده في عوده لولاية مكّة ، فأجيب لقصده ، ووعد بإلباس خلعة الولاية في يوم عيّن له .
فلم يتمّ له الأمر ؛ لأنّه في ذلك اليوم ثار على الناصري أمير يقال له تمربغا الأفضلي ويلقّب منطاش ، وما كان غير قليل حتّى قبض على الناصري ونحو أربعين أميرا من أصحابه ، وبعد قيام منطاش بقليل قدم إلى مصر محمّد بن عجلان ، فسعى عند منطاش في حبس عنان ، فأجيب ، وحبس عنان مع بعض مماليك الظاهر في النصف الثاني من سنة احدى وتسعين وسبعمائة . ثمّ خلصوا هم وعنان .
وصورة خلاصهم : أنّهم نقبوا نقبا من الموضع الذي كانوا مسجونين فيه من القلعة ، فوجدوا فيه سربا ، فمشوا فيه حتّى انتهوا إلى موضع آخر فنقبوه ، فخرجوا منه إلى محلّ سكن نائب القلعة ، فصاحوا على من بها ، وهم غافلون ليلا فأدهشوهم وكانوا في قلّة ؛ لخروج منطاش وغالب العسكر إلى الشام لقتال الظاهر ، فإنّه ظهر بالشام ، واجتمع إليه ناس كثير ، والتقى بشقحب مع العسكر الذي فيه الصالح ومنطاش ، فتمّ النصر للظاهر ، وقبض على الصالح وغيره ، وفرّ منطاش إلى دمشق هاربا فتحصّن بها .
وكان سبب إطلاق الظاهر أنّ الناصري حين أحسّ بظهور منطاش عليه ، كتب كتابا إلى نائب قلعة الكرك يأمره بإطلاق الظاهر فأطلقه ، وكان من أمره ما ذكرناه ، وكان من أمر مماليكه الذين ثاروا بالقلعة أنّهم استولوا عليها لعجز أصحاب منطاش عن مقاومتهم ، وبعثوا يبشّرون مولاهم بذلك ، وكان ممّن بعثوه لبشارته عنان .
فلمّا عرف السلطان ذلك أقبل إلى مصر ، وأعرض عن حصار منطاش بدمشق ، وبعد استقرار السلطان بالقلعة شفّع كبير مماليكه المستولين على القلعة ، وهو بطا الدوادار لعنان في ولاية مكّة ، فأجابه السلطان لسؤاله ، ولكن أقرّ علي بن عجلان على ولاية نصف إمرة مكّة شريكا لعنان ، لما في نفسه على عنان ، وتجهّز عنان إلى مكّة ومعه شخص تركيّ من جهة السلطان ليقلّده الولاية بمكّة .
الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 691
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٦٩١