وقال أيضا : كان زيد من عظماء أهل البيت عليهم السّلام علما وزهدا وورعا وشجاعة ودينا وكرما ، وكان دائما يحدّث نفسه بالخلافة ، ويرى أنّه أهل لذلك ، وما زال هذا المعنى يتردّد في نفسه ، ويظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، حتّى كانت أيّام هشام بن عبد الملك ، فاتّهمه بوديعة لخالد بن عبد اللّه القسري أمير الكوفة ، فحمله إلى يوسف بن عمر أميرها في ذلك العصر ، فاستحلفه أنّ ما لخالد عنده مالا وخلّى سبيله .
فخرج ليتوجّه إلى المدينة ، فتبعه أهل الكوفة وقالوا له : أين تذهب يرحمك اللّه ؟
ومعك مائة ألف سيف نضرب بها دونك ، وليس عندنا من بني اميّة إلّا نفر قليل ، لو أنّ قبيلة واحدة منّا صمدت لهم لكفتهم بإذن اللّه ، ورغّبوه بهذا وأمثاله ، فقال لهم : يا قوم إنّي أخاف غدركم ، فإنّكم فعلتم بجدّي الحسين عليه السّلام ما فعلتم وأبى عليهم ، فقالوا : نناشدك اللّه إلّا ما رجعت ، ونحن نبذل أنفسنا دونك ونعطيك من الأيمان والعهود والمواثيق ما تثق به ، فإنّا نرجو أن تكون المنصور ، وأن يكون هذا الزمان الزمان الذي يهلك فيه بنو اميّة .
فلم يزالوا به حتّى ردّوه ، فلمّا رجع إلى الكوفة أقبلت الشيعة تختلف إليه يبايعونه ، حتّى احصي ديوانه خمسة عشر ألفا من أهل الكوفة ، سوى أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وأهل خراسان والري وجرجان والجزيرة ، وأقاموا بالكوفة شهورا .
ثمّ لمّا تمّ الأمر لزيد وخفقت الألوية على رأسه ، قال : الحمد للّه الذي أكمل لي ديني ، واللّه إنّي كنت أستحيي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن أرد عليه الحوض غدا ولم آمر في امّته بمعروف ولم أنه عن منكر .
فلمّا اجتمع الناس مع زيد أظهر أمره ، ونابذ من خالفه ، فجمع له يوسف بن عمر جموعا وبرز إليه ، وعبّأ كلّ منهما أصحابه والتقى الفريقان ، وجرى بينهما قتال شديد ، فتفرّق أصحاب زيد عنه وخذلوه ، فبقي في شرذمة يسيرة ، فابلي هو رضى اللّه عنه بلاء حسنا ، وقاتل قتالا شديدا ، فجاءه سهم فأصاب جبينه ، فطلب حدّاد فنزع السهم من جبينه ، فكانت فيه نفسه ، فمات رضى اللّه عنه من ساعته ، فحفر له أصحابه في ساقية ودفنوه فيها ، وأجروا الماء على قبره خوفا من أن يمثّلوا به .
فلمّا استظهر يوسف بن عمر أمير الكوفة تطلّب قبر زيد فلم يعرفه ، فدلّه عليه بعض العبيد ، فنبشه وأخرجه فصلبه ، فبقي مدّة مصلوبا ، ثمّ احرق وذرئ رماده في الفرات ،
الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 142
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص١٤٢