أقول : وفي العقد الفريد : دخل شاميّ على معاوية وكان آخر كلامه أن لعن عليّا - عليه السلام - فأطرق الناس وتكلّم الأحنف ، فقال : إنّ هذا القائل لو يعلم أنّ رضاك في لعن المرسلين لعنهم ! فاتّق اللّه ! ودع عنك عليّا ، فقد لقي ربّه وأفرد في قبره وخلأ بعمله ، وكان واللّه ! المبرز سيفه ، الطاهر ثوبه ، الميمون نقيبته ، العظيم مصيبته ؛ فقال له معاوية : لقد أغضيت على القذى وقلت ما ترى ، وأيم اللّه ! لتصعدنّ المنبر فتلعنه طوعا أو كرها ؛ فقال : إن تعفني فهو خير لك وإن تجبرني فو اللّه لا تجري فيه شفتاي أبدا ! ومع ذلك لأنصفنّك في القول ؛ قال : وما أنت قائل إن أنصفتني ؟ قال : أقول : إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليّا ، وإنّ عليّا ومعاوية اختلفا وادّعى كلّ واحد منهما أنّه بغي عليه وعلى فئته ، فإذا دعوت فأمّنوا ، ثمّ أقول : اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياءك وجميع خلقك على الباغي منهما على صاحبه ! والعن الفئة الباغية ! اللّهم العنهم لعنا كثيرا ! أمّنوا رحمكم اللّه ! لا أزيد على هذا ولا انقص منه حرفا ولو كان فيه ذهاب نفسي ، فقال معاوية إذن نعفيك يا أبا بحر « 1 » .
ثمّ الظاهر أنّ قول الكشّي : « روى بعض العامّة عن الحسن البصري الخ » إشارة إلى ما رواه الطبري « عن عليّ بن مسلم الطوسي ، عن حيّان ، عن مبارك ، عن الحسن البصري ، قال : أخبرني الأحنف أنّ معاوية كتب إلى عليّ أن امح هذا الاسم إن أردت أن يكون صلح ؛ فاستشار ، وكانت له قبّة يأذن لبني هاشم فيها ويأذن لي معهم ؛ قال : ما ترون في ما كتب به معاوية ؟ قالوا :
برحه اللّه ، فانّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - حين وادع أهل مكّة كتب « محمّد رسول اللّه » قالوا ذلك ، حتّى كتب « هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد اللّه » فقلت له : أيّها الرجل ! مالك ما لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله -
هامش
( 1 ) عقد الفريد : 4 / 28 .