وكالح وخراساباد « 1 » ، اتسع بحيث شمل الآن ما يربي على الخمسة والخمسين موقعا ! وبعد أن كان العلماء يستهدفون في حفرياتهم القديمة « استخراج التماثيل الضخمة والآثار الكبيرة » ، صاروا يقنعون باليسير ، بل قد يجدون في بعض اللقى « الصغيرة » ما تفوق خطورته ذلك التمثال الكبير ! وبعد أن كانت مساعي العلماء منحصرة في نبش المواقع التي تعود إلى الأدوار المتأخرة من تاريخ العراق القديم بالنسبة إلينا ، أخذوا يتوغلون في مجاهل الماضي السحيق ، ويتغلغلون في أعماق التراب فيقعون على أقدم الآثار عهدا وأبعدها زمنا !
أما ما استخرج من « المواد الأثرية » من هذه المواقع طوال هذه السنين فيكاد يخرج عن دائرة التصديق لو فرته وخطره ونفاسته .
إن هذه الحفريات الواسعة قامت بها بعثات علمية من مختلف الجنسيات بينها :
الإنكليزية والفرنسية والألمانية والأميركية والإيطالية . ومند سنة 1936 أخذت دار الآثار القديمة في العراق تنهض بأعمال الحفر والتنقيب في بضعة مواقع ، خاصة في المواطن الإسلامية التي لم يعرها الأجانب الاهتمام الذي تستحقه . وهكذا بعد أن كان تاريخ وادي الرافدين يقوم على الأساطير والأقاويل ، أصبح يستند إلى علم الآثار المبني على نتائج الحفريات العلمية المنظمة .
إن الاستمرار على هذه الحفريات والإمعان في توسيع نطاقها سوف يزيدنا معرفة بماضي هذه البلاد ويقفنا على ما خبأته يد الزمن من ذلك التراث الخالد الذي يؤهلنا لتكوين « تاريخ » لهذا القطر متكامل الحلقات متلاحم الأجزاء . وقد ذكرنا آنفا ، أن المواقع التي جرى التنقيب فيها تربي على الخمسة والخمسين موقعا . والآن نضيف إليها أن المواقع الأثرية التي لم ينقب فيها حتى الآن تبلغ أضعاف هذا العدد . إن نظرة عاجلة يلقيها المرء على نشرة « التلول والمواقع الأثرية في العراق » « 2 » التي أصدرتها دار الآثار القديمة تبين له أن عدد المواقع الأثرية التي تمّ تسجيلها والإعلان عنها بلغ نحوا من ألف وثلاثمائة موقع !
فما قولك فيما لو تيسر الحفر في هذه المواقع أو في بعضها واستخراج ما تكنه من
هامش
( 1 ) اسمها الأشوري « دورشاروكين » ، وكانت تعرف في العصر الإسلامي باسم « خرستاباذ » .
( 2 ) ظهرت سنة 1939 ، ثم تلاها ملحق سنة 1941 والذي يؤخذ من صحيفة « الوقائع العراقية » أنه كشفت مواقع أخرى عديدة زيادة عما جاء في هاتين النشرتين .