تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخائر الشرقية — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
الخصيبة أمم كانت قد بلغت من الرقيّ شأوا بعيدا حيّر العلماء في عصرنا . ويؤخذ مما توصل إليه علم الآثار ، أن تاريخ وادي الرافدين من أطول تواريخ الأقطار في العالم : فهو يتألف من حقبة مديدة من الزمن ، تبلغ السبعة الآلاف من السنين بحسب معلوماتنا الحالية ومن يدري ؟ فلعل وراء ذلك آثارا تسبق العهد الذي ذكرناه ، مما لا يزال أمرها رهن التراب ! ولما كان وادي الرافدين من الساحات الأثرية المترامية الأطراف الضاربة في أعماق التاريخ كان الكلام على كل دولة قامت فيه ، أو على ما بقي لنا من آثارها أمرا متعذرا في مثل هذا المقام . لذلك سنتناول في بحثنا هذا الكلام بوجه عام على آثار العراق في عهوده التي سبقت الإسلام والتي تلته ، ثم نعقب على ذلك بلمحة في تكوين دور التحف العراقية .

2 - بدء دراسة آثار العراق

قبل نحو مائة وخمسين سنة كانت معرفة العلماء بآثار العراق وبتاريخه القديم شيئا ضئيلا لا يتجاوز ما روته عنهما التوراة ، أو بعض المصنفات المؤتمّة ( الكلاسيك ) ، كتاريخ هيرودوتس وزينفون وديودورس واستربون ويوسيفس وأمينس مرسلّينس وأضرابهم . فلا غرابة إذا كان وقوف العلماء حينذاك على آثار العراق وقوفا مشوّها ، يلازمه الخيال ويعتريه الوهم ، وتلابسه المزاعم والظنون ! ومن يطالع كتب التاريخ أو أخبار السياحات التي وضعها أولئك العلماء قبل تلك المدة المذكورة ، ويتدبر البحوث التي دونوها عن أمثال هذه الشؤون ، يقف متعجبا من تلك الآراء الغريبة التي أضحت اليوم بفضل تقدم علم الآثار ضربا من الأساطير ! على أن تلك المدونات بالرغم مما فيها من قصور ووهن ، أصدق شاهد يمثل لنا علم الآثار وهو في مهد طفولته ، بل إنها أول المراحل في دراسته ، والأساس الذي شيدت فوقه البحوث الرصينة التي تلته . ويمكننا أن نعزو التقصير المذكور في معرفة آثار ما بين النهرين إلى عاملين رئيسين : الأول : جهل أرباب الآثار ، وقتذاك للّغات القديمة التي كانت سائدة في هذه المنطقة أو في ما يجاورها ، من البلدان جهلا تامّا . وتلك اللغات هي : السومرية والأكّديّة ( الكلدانية - البابلية ) والأشورية والكيانية « 1 » والكاسية والعيلامية والحثّية والجوثيّة وغيرها .
هامش
( 1 ) الكيانية عرفت بهذا الاسم لدى المصنفين العرب الأقدمين . وهي لغة القوم المعروفين عند علماء الإفرنج باسمAchaminidesأوAchemenides.