لتكون قواعد أو عواصم لهم . فأسست البصرة سنة 14 للهجرة ، والكوفة سنة 17 ، وواسط نحو 86 ، وبغداد سنة 145 ، وسامراء سنة 221 ه . هذا فضلا عن توسيع ما كان عامرا من البلدان قبل الفتح ، كالموصل وتكريت وإربل وغيرها ، وإدخال التطورات والتحسينات عليها .
لقد كان في كل من هذه المدن ما يتناسب وسعتها من المساجد والمدارس والقصور والدور والأسواق والمقابر وغير ذلك من العمارات التي تقتضيها مرافق الحياة اليومية . وطبيعيّ أنه كلما كانت المدينة أعظم جاها من الوجهة الحكمية كان عمرانها أكثر استبحارا والعناية بتنسيقها وتجميلها أبلغ أثرا .
وما ذكرنا من المدن ، إما أن يكون قد خرب خرابا نهائيّا ولم يبق منه سوى أطلال شاخصة أو تلول تنبئ بما تكنه تحت ثراها ، كما هو الحال في واسط مثلا ، وأما أن تكون يد الدهر قد تلاعبت بمصايرها ، فأخربتها أولا ، ثم عادت فجدّدتها في ما يجاورها من البقاع ، فاجتمع القديم والجديد في صعيد واحد ! وعلى هذا الوجه صرنا نرى اليوم ، إلى جانب بعض المدن المندرسة مدنا جديدة مسماة باسمها القديم : فهناك سامراء القديمة وسامراء الجديدة ، ومثل هذا قل عن بغداد والبصرة والكوفة وغيرها من البلدان .
عاشت هذه المدن قرونا عديدة ، ومرّت عليها أحوال اطمأنت فيه إلى الحياة ، فذهبت تسعى إلى تنظيم وسائل عيشها واستكمال أسباب رفاهها ، وهما أمران يؤديان إلى تحسين الصناعة ورفع عمادها في البلاد .
إن الصناعة بلغت شأوا لا يجارى في العصر العباسي ، وهو عصر اتساع رقعة الدولة العباسية ونضج الحضارة الإسلامية . فكان خلفاء بني العباس وسائر الأمراء والوزراء وأماثل الناس يبالغون في تجميل قصورهم ويعنون بجعلها آية من آيات الفن ! فازدهر فنّ البناء أيّما ازدهار وسايره فن الزخرف والنقش ، وتبع ذلك الاهتمام بتجويد صنع الأثاث الذي يتناسب وعظمة تلك المباني وأبهة أصحابها ! ولكن ما مصير تلك العمارات .
إن قصور الخلفاء الرائعة وسائر البنايات ، سواء أفي بغداد كانت أم في غيرها من المدن ، لم يبق منها - ويا للأسف - ما يستحق الذكر . . ! والأسباب التي أدّت إلى محو تلك الآثار أو عملت على تلاشيها بهذا الوجه كثيرة ليس هنا محلّ شرحها . وقد نجم عن خرابها ضياع الفائدة على الباحثين اليوم من الوقوف على ما كانت عليه إبّان عزّها . ولولا
الذخائر الشرقية — صفحة 46
مساهمون: كوركيس عواد
ص٤٦