هائلة منقطعة النظير ، واتسعت آفاق العلم والمعرفة في سائر أنحاء العالم أيما اتساع .
ولا نغالي في القول ، إن التوصل إلى صناعة الورق ، يعد أحد الأركان الثلاثة التي قامت عليها الحضارة في العالم ، وأول هذه الأركان ، هو توصل الإنسان إلى الكتابة ، وثانيها : توصله إلى صناعة الورق . وثالثها : توصله إلى الطباعة .
فالورق ساعد البشر على السير بخطى واسعة في ميادين العلم والثقافة . . وبانتشاره تضاءل شأن الجلود والرقوق وأوراق البردي حتى بطل استعمالها واختفت نهائيا .
وقد أنشئ أول معمل لصنع الورق ببغداد ، في أواخر القرن الثاني للهجرة ( - القرن الثامن للميلاد ) ، ثم كثرت معامل الورق في بغداد ، فهبطت أسعاره لتوفره في الأسواق ، وتيسر لكثير من الأدباء والعلماء ونساخ الكتب ، أن يقتنوه ويكتبوا عليه ما شاءوا من مؤلفات وغيرها ، بعد أن كانوا في ما سبق يكتبونها على الرقوق وأوراق البردي وغير ذلك من المواد التي يعز الحصول عليها لندرتها وغلاء أثمانها .
ولم تقتصر صناعة الورق يوم ذاك ، على المعامل التي أنشئت في العراق في صدر الدولة العباسية ، بل انتقلت منها إلى ديار الشام ومصر والمغرب والأندلس وغيرها من الأقطار .
ولقد أدخلت المعامل العربية على صناعة الورق تحسينات كثيرة ، نرى أثرها ظاهرا بينا في المخطوطات العربية التي تزدان بها مكتبات العالم ، فبعد أن كان الورق في بادئ أمره يصنع من الخرق البالية ، صار يصنع من القطن ولب الخشب والحرير وغير ذلك من المواد .
ويقدر العارفون بشؤون المخطوطات العربية ، أن الموجود منها اليوم في المتاحف والمساجد والمعاهد والمكتبات العامة والخاصة ، يزيد على ثلاثة ملايين مخطوطة مكتوبة على الورق إلا القليل والنادر منها فهو مكتوب على الجلود والرقوق والبردي .
استمر استعمال الورق الذي كانت تصنعه المعامل اليدوية في البلدان العربية بضعة قرون من الزمان ، حتى زاحمه الورق الذي صار يصنع بالآلات في ديار الغرب ، فأخذ استعمال الأول في التناقص والتضاؤل حتى اختفى من الأسواق .
ولا بد من وقفة قصيرة أمام تصوير المخطوطات ، فقد ظل الكتاب العرب ، نحوا من ثلاثة عشر قرنا ، حين يريدون الحصول على نسخة من كتاب مخطوط ، أن يستنسخوا
الذخائر الشرقية — صفحة 409
مساهمون: كوركيس عواد
ص٤٠٩