فإذا تعقبنا المواقع الأثرية التي جرى التنقيب فيها ، كليا أو جزئيا ، ألفيناها لا تبلغ ثلاثمائة موضع ، فأين نحن من تلك الآلاف السبعة ، التي لو تم التنقيب فيها والكشف عن مكنوناتها ، ما ذا ستكون حصيلة ذلك برمته ؟ وكم من « المكتبات القديمة » التي يؤمل أن يعثر عليها في أطلالها ؟
ويستدل من المكتشفات الأثرية ، أن العراقيين القدامى ، قد توصلوا إلى معرفة الكتابة ، منذ آلاف السنين . أما المواد التي كتبوا عليها في تلك الأزمنة الغابرة ، فلم تكن على غرار ما نعهده اليوم من صنوف الورق ، بل كانوا يتخذوا « الطين » مادة أساسية يكتبون عليها ، فالطين عند قدماء العراقيين ، كان بمثابة الورق عندنا ، ولكن ما أبعد الفارق بين المادتين ! فالطين مادة ثقيلة الوزن ، ليس من السهل حملها ونقلها من مكان إلى آخر . هذا إلى كونه يشغل حيزا كبيرا . ولإيضاح ذلك نقول : لو عمد أحدنا اليوم إلى كتاب مكتوب على الورق ، قوامه ثلاثمائة صفحة مثلا ، وحاول أن يستنسخه على ألواح من الطين ، نظير ما كان يفعله الأقدمون في الكتابة ، لاقتضى الأمر استعمال ثلاثمائة لوح من الطين ، وهذا يعني أن الكتاب المكتوب على الورق الذي يبلغ ثخن أوراقه جميعها زهاء سنتمترين ، سيبلغ ثخن ألواح الطين المستعملة في استنساخه ، أكثر من ستة أمتار !
ولنا أن نقول ، إن أولئك العراقيين الأقدمين ، لم يكونوا قد توصلوا إلى الكتابة على مواد أخف وزنا من الطين وأيسر حملا ، وأسهل استعمالا . . فلم يعرفوا المواد الخفيفة كالجلود والرقوق وأوراق البردي التي استعملها الناس بعد ذلك بزمن مديد ، دع عنك الورق الذي اتخذ للكتابة عليه بعد أزمنة طويلة .
ومن ثمة تعذر عليهم الإيغال في العلم والإكثار من التأليف بسبب هذا العائق المادي . فاقتصرت الكتابة على طبقات محدودة من الناس ، ولا سيما رجال الدين ، ومن بيدهم شؤون الدولة ، وبعض من يتولى التعليم ، أو يتعاطى التجارة .
والطين الذي يكتب عليه ، ينبغي أن يكون نقيا من الشوائب ، معمولا بهيئة ألواح مختلفة الحجم ، ويشترط حين يكتب على تلك الألواح ، أن يكون طينها طريا ، أي قبل أن يجف أو يشوى على النار ، ويتخذ الكاتب أداة معدنية خاصة بدلا من القلم ، يحفر بها ما يريد كتابته ، فتبدو الكتابة المحفورة واضحة للعيان ، وكأنها تشبه المسامير الصغيرة .
ومن ثمة عرفت بين الباحثين المحدثين بالكتابة المسمارية .
الذخائر الشرقية — صفحة 406
مساهمون: كوركيس عواد
ص٤٠٦