تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخائر الشرقية — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
والكتابات المسمارية التي دونها قدماء العراقيين على ألواح الطين بلغاتهم البائدة ، ولا سيما باللغتين السومرية والأكدية ، قد كشفت عن الكثير منها في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين . ذلك أن المنقبين من علماء الآثار ، قد عثروا على مئات ألوف الألواح في كبريات مدن العراق المندرسة ، ولا سيما في مدينة : نينوى وأشور وبابل ونفر ونوزي وتل حرمل وكيش وتلو وأور وغيرها مما يطول ذكره . لقد تفرق شمل هذه الألواح بين المتاحف والمعارض والمعاهد ومؤسسات الآثار في أنحاء العالم . فهي مما يزخر بها اليوم المتحف العراقي ببغداد ، والمتحف البريطاني بلندن ، ومتحف اللوفر بباريس ، ومتحف برلين ، ومتحف استانبول ، ومتاحف كل من جامعة بنسلفانيا ، وجامعة يايل في نيوهافن وجامعة شيكاغو ، وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره . وألواح الطين هذه ، كتبت بلغات العراقيين القدماء التي كانوا ينطقون بها . وهي لغات بطل استعمالها قبل أكثر من ألفي سنة ، فجعل الناس من بعد ذلك مفرداتها وقواعدها ، وأصبحت كتاباتها طلاسم تخفي مدلولاتها على الناس جميعا ، وظل أمر هذه اللغات طي الخفاء مدة تزيد على عشرين قرنا ، حتى هيأ اللّه لها جماعة من أفذاذ العلماء في القرنين التاسع عشر والعشرين للميلاد ، فتوصلوا بعد دراسات مضنية استغرقت سنوات مديدة ، إلى حل مغلقات تلك اللغات التي بادت بمضي أصحابها ، وصار في وسع العلماء المختصين بلغات العراق القديم ، أن يقرءوا ألواح الطين المكتشفة ويتفهموا ما فيها من تراث أدبي وديني ، وحضاري ، وأصبح في مقدورهم ، بعد قراءة تلك النصوص أن يعرفوا الكثير عن تاريخ شعوب العراق القديم ، وحضاراتهم في تلك العصور الخالية . وإلى جانب ألواح الطين ، اتخذ العراقيون قديما ، مواد أخرى ، ولا سيما « الحجر » ، وهو أقوى من الطين على البقاء ، غير أنه أثقل وزنا ، وكلتا المادتين ، أعني الطين والحجر ، لا يمكن الإكثار منها لصعوبة حملها ولضخامة حجمها كما لا يخفى . ومن الأمثلة على الكتابات الحجرية ، « مسلة حمورابي » الشهيرة ، وهي قطعة واحدة من الصخر البركاني الأسود ، كتب عليها النص الكامل لشريعة حمورابي التي تعد قمة شامخة في عالم القوانين .