تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخائر الشرقية — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
فهذه الموضوعات ، كتبت على ألواح الطين ، بلغات العراقيين القدماء التي كانوا ينطقون بها . وهي لغات بطل استعمالها قبل أكثر من ألفي سنة . فجهل الناس من بعد ذلك مفرداتها وقواعدها ، وأصبحت كتاباتها طلاسم تخفى مدلولاتها على الناس جميعا ، وظلّ أمر هذه اللغات طيّ الخفاء مدة تزيد على عشرين قرنا ، حتى هيّأ اللّه لها جماعة من أفذاذ العلماء ، في القرنين التاسع عشر والعشرين للميلاد ، فتوصلوا بعد دراسات مضنية استغرقت سنوات طويلة ، إلى حلّ مغلقات تلك اللغات التي بادت بمضي أصحابها . وصار في وسع العلماء المختصين بلغات العراق القديم ، أن يقرءوا ألواح الطين المكتشفة ، ويتفهّموا ما فيها من تراث أدبي وديني وحضاري ، وأصبح في مقدورهم ، بعد قراءة تلك النصوص ، أن يعرفوا الكثير عن تاريخ شعوب العراق القديم ، وحضاراتهم في تلك العصور الخالية . فالعراقيون الذين عاشوا قبل الميلاد ، قد وجّهوا عنايتهم إلى العلوم والآداب والفنون ، ودوّنوا ما عرفوه منها ، على ألواح الطين التي اختزنوها في مكتباتهم الكثيرة ، فسبقوا بإقبالهم على إنشائها ، أكثر أمم العالم ذات الحضارات العريقة .

4 - الكتابة على الأحجار :

وإلى جانب ألواح « الطين » ، اتّخذ العراقيون قديما ، موادّ أخرى ، ولا سيما « الحجر » . وهو أقوى من الطين على البقاء ، غير أنه أثقل وزنا . وكلتا المادتين ، أعني الطين والحجر ، لا يمكن الإكثار منهما لصعوبة حملهما ولضخامة حجمهما كما لا يخفى . ومن الأمثلة على الكتابات الحجرية ، « مسلّة حمورابي » الشهيرة ، وهي قطعة واحدة من الصخر البركاني الأسود ، كتب عليها النصّ الكامل لشريعة حمورابي التي تعدّ قمة شامخة في عالم القوانين . وهناك مسلّات أخرى ، وتماثيل ، ومنحوتات ، وأختام لا تحصى ، نحتت من الصخور المتنوعة ، وكتبت عليها بالخط المسماري ، نصوص سومرية وبابلية وآشورية ، وعثر عليها في أطلال مدن عراقية كثيرة . الذخائر الشرقية ج 5 * 26