والكتابات المسمارية التي دوّنها قدماء العراقيين على ألواح الطين بلغاتهم البائدة ، ولا سيّما باللغتين السومرية والأكدية ، قد كشف عن الكثير منها في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين . ذلك أنّ المنقّبين من علماء الآثار ، قد عثروا على مئات ألوف الألواح في كبريات مدن العراق المندرسة ، ولا سيّما في مدينة : نينوى ، وأشور ، وبابل ، ونفّر ، ونوزي ، وتل حرمل ، وكيش ، وتلّو ، وأور ، وغيرها وغيرها ممّا يطول ذكره .
هذا الذي عثر عليه من ألواح الطين ، لا يعدو أن يكون قسما ممّا خلّفه الأقدمون على مرّ العصور وتعاقب الدول في بلاد الرافدين .
لقد تفرّق شمل هذه الألواح بين المتاحف والمعارض والمعاهد ومؤسسات الآثار في أنحاء العالم . فهي ممّا يزخر بها اليوم : المتحف العراقي ببغداد ، والمتحف البريطاني بلندن ، ومتحف اللوفر بباريس ، ومتحف برلين . ومتحف استانبول ، ومتاحف كلّ من :
جامعة بنسلفانية ، وجامعة يايل
( Yale )
، وجامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأميركية .
على أن الكثير من الكتابات السومرية والأكدية المكتشفة في أنحاء العراق ، قد نقل سابقا واستقر في متاحف وجامعات أجنبية ، يوم كان العراق يرزح تحت الحكم العثماني .
فلم يكن حينذاك في العراق مؤسسة للآثار ترعى مخلفاته القديمة ، كما لم يكن هنالك « متحف عراقي » أو « قانون » خاص يحمي الثروة الأثرية النفيسة من التسرّب إلى الخارج .
وما قلناه بصدد ألواح الطين التي تسربت إلى خارج العراق ، نقوله بشأن « المخطوطات » العربية والسريانية التي خرجت من العراق ومن سائر الأقطار العربية والإسلامية ، فابتعدت عن مواطنها الأصلية لتحلّ في ديار غريبة عنها ! .
أسفر التنقيب في مواطن الآثار العراقية ، عن كشف « مكتبات » قديمة في جملة مدن كانت عامرة آهلة بسكّانها قبل الميلاد . وقد فصّلنا القول في تلك المكتبات ، في كتابنا الموسوم : « خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة » « 1 » فلسنا الآن في سبيل البحث في ما كان من أمر تلك المكتبات . ولكننا نودّ الإشارة إلى ما انطوت عليه من موضوعات توصّل الناس إلى معرفتها في تلك الأزمان الضاربة في القدم ، ولا سيما : علوم الدين واللغة والأدب والقانون والفلك والرياضيات والطب والكيمياء والزراعة والري .
هامش
( 1 ) مطبعة المعارف - بغداد 1948 ( ص 42 - 76 ) .