تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخائر الشرقية — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
فإذا تعقّبنا المواقع الأثرية التي جرى التنقيب فيها ، كليا أو جزئيا ، ألفيناها لا تتجاوز مائتي موضع . فأين نحن من تلك الآلاف السبعة ، التي لم يتمّ التنقيب فيها والكشف عن مكنوناتها ، ما ذا ستكون حصيلة ذلك برمّته ؟ وكم من « المكتبات القديمة » التي يؤمّل أن يعثر عليها في أطلالها ؟

3 - الطين أقدم مادة كتب عليها العراقيون الأوائل :

توصّل العراقيون إلى معرفة الكتابة ، منذ آلاف السنين . أما المواد التي كتبوا عليها في تلك الأزمنة الغابرة ، فلم تكن على غرار ما نعهده اليوم من صنوف الورق ، بل كانوا يتّخذون « الطين » مادة أساسية يكتبون عليها . فالطين عند قدماء العراقيين ، كان بمثابة الورق عندنا . ولكن ما أبعد الفارق بين المادتين ! فالطين مادة ثقيلة الوزن ، ليس من السهل حملها ونقلها من مكان إلى آخر . هذا إلى كونه يشغل حيّزا كبيرا . ولإيضاح ذلك نقول : لو عمد أحدنا اليوم إلى كتاب مكتوب على الورق ، قوامه ثلاثمائة صفحة مثلا ، وحاول أن يستنسخه على ألواح من الطين ، نظير ما كان يفعله الأقدمون في الكتابة ، لاقتضى الأمر استعمال ثلاثمائة لوح من الطين . وهذا يعني أنّ الكتاب المكتوب على الورق ، الذي يبلغ ثخن أوراقه جميعا زهاء سنتمترين ، سيبلغ ثخن ألواح الطين المستعملة في استنساخه ، أكثر من ستة أمتار ! . ومن البديهي ، أنّ أولئك العراقيين الأقدمين ، لم يكونوا قد توصّلوا إلى الكتابة على مواد أخفّ وزنا من الطين وأيسر حملا وأسهل استعمالا ، كالجلود ، والرقوق ، وأوراق البردي ، وأنواع الورق الشائع اليوم بين الناس في مشارق الأرض ومغاربها . ومن ثمة ، تعذّر عليهم الإيغال في العلم ، والإكثار من التأليف بسبب هذا العائق المادي . فاقتصرت الكتابة على طبقات معيّنة من الناس ، ولا سيما رجال الدين ، ومن بيدهم شؤون الدولة ، وبعض من يتولى التعليم أو يتعاطى التجارة . والطين الذي يكتب عليه ، ينبغي أن يكون نقيا من الشوائب ، معمولا بهيئة ألواح مختلفة الحجم . ويشترط حين يكتب على الألواح ، أن يكون طينها طريا ، أي قبل أن يجفّ أو يشوى على النار . ويتخذ الكاتب أداة معدنية خاصة بدلا من القلم ، يحفر بها ما يريد كتابته ، فتبدو الكتابة المحفورة واضحة للعيان ، وكأنها مسامير صغيرة . ومن ثم ، عرفت بين الباحثين المحدثين بالكتابة المسمارية .