تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخائر الشرقية — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
وفي كتاب « نشوار المحاضرة » للقاضي أبي علي المحسن التنوخي ، المتوفى سنة 384 ه ( 994 م ) ، وهو من أطرف التصانيف القديمة وأحفلها بالفوائد ، إشارة خفيفة إلى ما كان يعثر عليه الناس قديما من قطع النقود في بعض أنحاء واسط والبصرة مما يلي الطفوف . وهي هناك أخربة عريقة في القدم غنية بآثارها « فقد يجد الناس ، ممن يجتاز بذلك الموضع أو يقصده ، دراهم وجواهر حول تلك الخربات والقبة ، وقد يأوي إلى تلك الخربات النعام وتبيض فيها لخلوّها وانقطاع الناس عن الاجتياز بها إلّا في الحين بعد الحين « 1 » » . ومن أحاسن الأخبار الواردة في هذا الباب ، ما نقله التنوخي في كتاب « الفرج بعد الشدّة » فقال ما هذا نصه : « حدّثني أبو الربيع سليمان بن داود ، وكانت جدّته تعرف بشمسة قهرمانة ، كانت في دار القاضي أبي عمر محمد بن يوسف رحمه اللّه قال : كان في جوار القاضي قديما رجل انتشرت عنه حكاية وظهر في يده مال جليل بعد فقر طويل . وكنت أسمع أن أبا عمر حماه من السلطان . فسألت عن الحكاية فدافعني طويلا ثم حدّثني فقال : ورثت من أبي مالا جليلا فأسرفت فيه وأتلفته حتى أفضيت إلى بيع أبواب داري وسقوفها ، ولم يبق لي في الدنيا حيلة ، وبقيت مدة لا قوت لي إلّا من بيع أمي لما تغزله وتطعمني ونفسها منه ، فتمنيت الموت . فرأيت في منامي كأنّ قائلا يقول لي : غناك بمصر فأخرج إليها ! فبكرت إلى أبي عمر القاضي وتوسلت إليه بالجوار والخدمة التي كانت من أبي لأبيه ، وسألته أن يزوّدني كتابا إلى مصر لأتصرّف بها ، ففعل . وخرجت فلما حصلت مصر . وصلت الكتاب وسألت التصرّف فسد اللّه علي التصرف حتى لم أظفر يتصرف ولا لاح لي شغل ، ونفدت فبقيت متحيرا وفكرت في أن أسأل الناس وأمدّ يدي إلى الطريق ، فلم تسمح نفسي بذلك . فقلت : أخرج ليلا وأسأل الناس بين العشاءين ، فما زلت أمشي في الطريق وتأبى نفسي المسألة ويحملني الجوع عليها وأنا ممتنع إلى أن مضى من الليل نصفه ، فلقيني الطائف « 2 » ، فقبض عليّ فوجدني غريبا فأنكر حالي ، فسألني فقلت : رجل غريب ضعيف ، فلم يصدقني وبطحني وضربني مقارع ، فصحت وقلت له أنا أصدق ! فقال : هات ، فقصصت عليه قصتي من أولها وحديث المنام . فقال لي : أنت رجل ما رأيت أحمق منك ، واللّه لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة في النوم ، كأن قائلا يقول لي :
هامش
( 1 ) نشوار المحاضرة ( 8 : 104 طبعة المجمع العلمي العربي ) . ( 2 ) الطائف : العسس وهو الذي يدور في الليل حول البيوت حافظا ( تاج العروس . مادة : ط وف ) .
الذخائر الشرقية — صفحة 345 | كوركيس عواد