ومن عجيب الاتفاقات ، ما حصل لأحمد بن طولون : أمير الديار المصرية والشامية ، المتوفى سنة 270 ه ( 883 م ) . فقد نقل أبو محمد عبد اللّه بن محمد المديني البلوي ، مؤرخ سيرته ، أنه ركب ذات يوم إلى الصيد في مصر ، « فلما أمعن في الصحراء ، ساحت في الأرض يد فرس بعض غلمانه ، وهو رمل ، فسقط الغلام لنزول يد الفرس كلها في الرمل ، فوقف عليه أحمد بن طولون : وأخرجت يد الفرس ، فنظر فإذا بفتق ، ففتح وأصاب فيه من المال ما كان مقداره ألف ألف دينار ، وهو المطلب « 1 » الذي شاع خبره وكتب به إلى العراق وكتب أحمد بن طولون بخبره إلى المعتمد ، يستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البرّ أو غيرها مما يأمره به ، فكتب إليه المعتمد يأمره بأن يصرفه في وجوه البر .
فبنى منه البيمارستان . ثم أصاب بعده في الجبل مالا عظيما فبنى منه الجامع ، وأوقف جميع ما بقي من المال في الصدقات ، فكانت صدقاته ومعروفه لا تحصى كثرة « 2 » » .
وقد تطرّق غير واحد من المؤرخين « 3 » إلى ذكر الخبر في اكتشاف هذا الكنز الدفين من الدنانير ، وذلك بما لا يخرج عما نقله البلوي في هذا الصدد ، فاكتفينا بالإشارة إلى ذلك .
ويبدو من سيرة أحمد بن طولون أن الحظّ كان أليفه في أيام عزه وإقباله . فقد خدمه حسن الطالع غير مرّة في اكتشاف كنوز من النقود القديمة ، كانت مطمورة في بعض
هامش
( 1 ) المطلب ، ويجمع على المطالب : لفظة كان يطلقها الأقدمون على الكنوز . قال المسعودي [ مروج الذهب 2 : 414 طبع باريس ] . « لمصر أخباب عجيبة من الدفائن والبنيان ، ومما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض وغيرهم من الأمم ممن سكن تلك الأرض ، وتدعى المطالب إلى هذه الغاية » . والمسعودي قال ذلك القول في سنة 332 للهجرة ( 943 م ) .
وذكر أيضا ( المروج 2 : 417 ) « أهل الدفائن والمطالب » . وقد ظلّ استعمال هذه اللفظة شائعا حتى زمن المقريزي المتوفى سنة 845 ه 1441 م على ما أورده في خططه . والقوم « المطالبية » هم الباحثون عن هاتيك الكنوز .
وذكر ابن النديم في الفهرست [ ص 318 طبعة فلوجل - من 441 من طبعة مصر ] تأليفا لبعض المصريين ، عوانه « كتاب المعادن والمطالب والكنوز » وهو ، على ما يبدو من عنوانه ، من أجل الكتب وأنفعها ، ولكنه ضائع فيما نعلم .
( 2 ) سيرة أحمد بن طولون للبلوي [ بتحقيق محمد كرد علي بك . دمشق 1939 ، ص 76 ] .
( 3 ) راجع مثلا : المنتظم لابن الجوزي 5 : 72 ، وخطط المقريزي 4 : 39 مطبعة النيل ، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 2 : 157 .