تساوي الألف ألف دينار بصرف ذاك الزمان ، وهذا المبلغ يساوي اليوم الخمسمائة الألف من الجنيهات الإنكليزية على ما ذهب إليه العلامة لسترنج في مصنفه الجليل « بغداد في عهد الخلافة العباسية » « 1 » .
وما من شك في أن أغلب هذه النفقات الباهظة ، جاء عن طريق ظلم الناس والجور عليهم ، فإن عدنا إلى الماضي وتدبرنا حوادث ذلك العصر ، وألممنا بما تطرق إلى نظام الإدارة في الدولة العباسية - بعد اختلاطها بالأعاجم - من عوامل الفساد ، وما دب فيها من أسباب الضعف والانحلال ، ألفينا الغرائب أمورا مألوفة ، بل وجدنا مصادرة الناس على أموالهم ، ولا سيما كبارهم ، من الحوادث الاعتيادية التي يتوقعونها في كل ساعة وحين ، وقل من نجا منهم من شرها !
وما لنا نذهب بعيدا ، وهذه أقوال المؤرخين بين أيدينا خبرا شاهدا على أن معز الدولة قبض على جماعة من أصحابه فصودروا على مال عظيم ، فلحق الناس في هذا الصقع شدة شديدة من التنزل بهم « 2 » ، كما أنه صادر الدواوين وغيرها وجعل كلما حصل له شيء أخرجه في بناء هذه الدار « 3 » .
ومن أشهر تلك المصادرات وأشدها هولا ، ما حكاه مسكويه في أحداث سنة 350 ه بقوله « قبض معز الدولة على أبي علي الخازن وأبي مخلد وأبي الفرج محمد بن العباس صاحب الديوان وعلى أبي الفضل العباس بن الحسين الشيرازي وأبي سهل ديزويه صاحب ديوان الجيش ، وحملهم إلى دار الوزير المهلبي وسلمهم إليه » « 4 » .
ولم يكن السبب في القبض على هؤلاء القوم إلا الحاجة الملحة إلى نفقة البناء ، تلك النفقة التي كانت تدر على المهندسين والبنائين والصناع والعمال بغير حساب !
وقد أفاض مسكويه في خبر مصادرتهم على أموالهم « 5 » . وفي الحقيقة أن ما أورده في تاريخه من خبر هذه المصادرة طريف ثمين ، كنا نود أن ننقله هاهنا ، لولا أنه طويل
هامش
( 1 ) راجع صفحة 233 من الأصل الإنكليزي ، أو ص 200 من الترجمة العربية .
( 2 ) المنتظم 7 : 2 .
( 3 ) النجوم الزاهرة 3 : 327 .
( 4 ) تجارب الأمم 6 : 184 - 185 .
( 5 ) تجارب الأمم 6 : 185 - 188 .