ومن الطبيعي ، أن هذا العمل تطلّب من مواد البناء ، على اختلاف أجناسها ، الشيء الجسيم الذي حمل معز الدولة على أن يلتمس هاتيك المواد من مختلف الجهات وبأي وجه كان . ولم يتردد في أن يهدم ما عمره غيره . فقد « نقض قصور الخلافة بسرّمنرأى ، وسور الحبس المعروف بالجديد ، وبنى به داره وبالآجر الذي استعمله وطبخه في الأتاتين » « 1 » .
وما ذكره مسكويه بشأن نقض قصور سامراء ، أوضحه غيره بعض الإيضاح . فقد نقل ابن الجوزي أن معز الدولة « نقض المعشوق بسرّمنرأى وحمل آجره » « 2 » . وزاد ابن كثير على ذلك أنه « خرّب أشياء كثيرة من معالم الخلفاء ببغداد في بنائها . وكان مما خرّب المعشوق من سر من رأى » « 3 » .
وبعد أن استحوذ معز الدولة على المواد المطلوبة « وثّق البناء ، واختيرت له الآلات والجص والنورة » « 4 » ، « وبالغ في الاحكام ، وجلب له البناءون الحذاق المشهورون من جميع البلدان الكبار : من الأهواز والموصل وأصبهان وبلدان الجبل وغيرها » « 5 » . « فكان العمل في ذلك متصلا وكان الصناع فيه متفرقين » « 6 » .
ومن غريب ما جرى أثناء تشييد هذه الدار ، ما حكاه القاضي التنوخي بصدد غضب معز الدولة على وزيره المهلبي . وإليك روايته ننقلها لطرافتها ولصلتها الوثقى بموضوعنا :
« بعد أن كان ( معز الدولة ) عمل ( على ) بناء مدينة لنفسه ، وخرج إلى كلواذى ، ليتخذها هناك ، ثم أراد اتخاذها حيال كلواذى ، ثم رحل إلى قطربل وأراد أن يبنيها عندها ، ثم تقرر رأيه على بناء دار بباب الشماسية ، حصينة يستغنى بها عن المدينة وتخف عليه نفقتها ، وقدر لذلك ألوف ألوف دراهم ، وزادت النفقة على التقدير أضعافا . وكان يطالب وزيره أبا محمد المهلبي بتوجيه وجوه الأموال لذلك مع قصور الدخل عن الخرج ، فيلقى منه عنتا ، ثم كلفه تولي البناء بنفسه وكتّابه ، فكان وهم يتولون ذلك . فسعى بعض
هامش
( 1 ) تجارب الأمم 6 : 183 .
( 2 ) المنتظم 7 : 2 .
( 3 ) البداية والنهاية 11 : 237 .
( 4 ) زاد ابن الجوزي في ما نقل ( المنتظم 8 ) 31 ) لفظة « والاسفيذاج » .
( 5 ) تجارب الأمم 6 : 183 .
( 6 ) نشوار المحاضرة 1 : 71 .