أصحاب معز الدولة إليهم أنهم يشفقون ( أي يقللون ) البناء في السوية ليتعجل بنفقة خفيفة ويسرقون الباقي ، ووقفه على موضع منه كان فيه ساف لبن لم يحكمه ، ومشى عليه بحضرة معز الدولة ، لأنه ركب إليه فانقلعت منه لبنة ، فحمى طبعه وكان حديدا جدا سليم الباطن مع ذلك ، وإذا أخرج حدته وانقضت سورة غضبه تندم على فعله ، ولكن من يقوم على تلك الحدة ؟ فأحضر المهلبي ووقفه على ما رآه ، فأخذ يحتج عليه ، فحمي ، وأمر به فبطح وضرب مقارع كثيرة ، ثم قال : اخنقوه ! فجعل في عنقه حبل ، وأمسكه ركابيون فوق السور ليشيلوه ليخنق . وبلغ الخبر قواده الأتراك وخواصه ، فبادروا إلى تقبيل الأرض بين يديه ومسألته الصفح عنه ، فأنزل وأطلقه . فمضى إلى داره كالميت ، وأظهر قلة حفل بذلك لئلا يشمت أعداؤه ويطمعوا في صرفه ويقولوا عليه بانكسار إن بان منه ، ولئلا يبلغ صاحبه أنه مستوحش من ذلك فيستوحش منه ، وكذا كانت عادته أن يشرب في تلك الليلة النبيذ ويدعو الغناء ويجمع الندماء ليرى قلة الاكتراث بما جرى عليه . فعاد إلى داره وقد قرب المساء ، فدعا بما يأكله ، فأكل وندماؤه معه ، وليس فيه فضل لشدة الألم ، وهو يتجلد ويتحدث . ثم دعا بنبيذ فقالوا له : أيها الوزير ، لو استرحت وطرحت نفسك كان أولى من النبيذ ، فليس هذا وقته ، ورثوا له من هذا . فأخذ يعزيهم على ما جرى عليه ، ويسليهم وتمثل لي كلامه بهذا البيت :
فإن أمير المؤمنين وفعله * كالدهر ، لا عار بما صنع الدهر
ثم شرب أقداحا وقام . أخبرني بذلك من حدثه إياه من ندماء أبي محمد عن مشاهدة » « 1 » .
6 - النفقة على تشييد الدار :
لا مراء أن دارا مثل هذه ، متسعة الأرجاء ، مترامية الأطراف ، متعددة المرافق ، أفرغ الصنّاع فيها خلاصة الفن وزبدة الإبداع ، قد بذل في تشييدها المال الجزيل الذي يفوق حدود التصديق ! فالمؤرخون الأقدمون قالوا إن معز الدولة شرع في عمارة هذه الدار سنة 350 للهجرة ( 961 م ) وظل ينفق على بنائها بجود وسخاء عجيبين طوال سبع سنين ، أي إلى أن مات في سنة 356 ه .
ولم يفت أولئك المؤرخين التنويه بما غرمه معز الدولة على هذه الدار . وأقدم ما
هامش
( 1 ) نشوار المحاضرة 1 : 71 - 72 .