لم ينته إلينا . إذ أن أيدي الإنسان العاتية التي لا تلبث أن تقوض اليوم ما ابتنته بالأمس .
ومثلها أيدي الدهر التي من دأبها التخريب والتدمير ، تعاونت على محقها وجعله أثرا بعد عين .
وقد حفلت بغداد في أيام عزها ، بطائفة من القصور الشامخة والدور الفخمة ، ظل أمرها أحدوثة الدهر . وقد تبارى الكتاب والمؤرخون والشعراء في وصفها وإطرائها . ومن أشهر ما يذكر منها : دار معز الدولة البويهي ، وقد نسبت إليه فعرفت بالدار المعزية ، وهي التي تناولناها بالبحث في هذا الموضوع .
2 - نبذة في حياة معز الدولة :
بنو بويه ، أسرة فارسية عرفت باسم مؤسسها أبي شجاع بويه . ذكر التاريخ من أفرادها نيفا وعشرين رجلا ، اشتهر منهم بوجه خاص : « معز الدولة » وابن أخيه « عضد الدولة » . ومعز الدولة - وهو المقصود في كلامنا - هو أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع البويهي . ولد في سنة 303 ه ( 915 م ) . كان في صباه امرءا لا يتميز في شيء عن غيره من أبناء الطبقة العاملة ، فكان يحتطب على رأسه « 1 » ، مثلما كان أبوه بويه يصيد السمك « 2 » .
وعرف معزّ الدولة بالأقطع ، لأنه كان مقطوع اليد اليسرى وبعض أصابع اليمنى « 3 » ، قطعت في بعض حروبه بكرمان .
ثم تقلبت به الأيام من حال إلى أحوال ، فأخذ شأنه وشأن أخويه « ركن الدولة » و « عماد الدولة » يرتفع ويتألق ، فامتلكوا كثيرا من البلدان على نحو ما هو مذكور في المظانّ التاريخية . وما زال معزّ الدولة في نجاح مطرد إلى أن جاء بغداد ، « فدخلها متملكا يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ( 945 م ) في خلافة المستكفى ، وملكها بلا كلفة » « 4 » . وصار « يخطب له على منابرها ، ويضرب اسمه على الدرهم والدينار بها » « 5 » .
هامش
( 1 ) المنتظم لابن الجوزي ( 7 : 38 طبعة حيدرآباد ) .
( 2 ) شذرات الذهب لابن العماد ( 3 : 18 ) .
( 3 ) وفيات الأعيان لابن خلكان ( 1 : 78 طبعة بولاق الأولى 1275 ه ) .
( 4 ) وفيات الأعيان ( 1 : 79 ) .
( 5 ) تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب لابن الفوطي ( كتاب اللام والميم . بتحقيق محمد عبد القدوس القاسمي . لاهور 1940 ص 625 الرقم 1328 ) .