تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخائر الشرقية — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥

الدار المعزيّة من أشهر مباني بغداد في القرن الرابع للهجرة

1 - تمهيد :

لعل أقصى ما بلغته الحضارة العربية في العراق ، كان في عصر الدولة العباسية . ولم تكن أيام هذه الدولة على حد سواء في مستوى تلك الحضارة . ومرد ذلك إلى اختلاف أحوال الخلفاء من حيث قوة العزيمة ، وأصالة الرأي ، والإقبال على الإصلاح والتعمير ، ونشر العلم بين شعبهم . والمتتبع لسير الخلفاء العباسيين ، يرى أن غير واحد منهم قد توفرت فيه هذه المزايا ، كلها أو بعضها . فكانت أيام خلافته عصر ازدهار ورقي . ولقد كان من نتائج اتساع رقعة الدولة العباسية ، وامتداد نفوذها إلى أغلب بقاع المعمورة ، أن انهالت الخيرات العميمة على بغداد مقر الخلافة ، وتدفقت نحوها ينابيع الثروة ، تلك الثروة الطائلة التي كان ينفق أقلها في تسيير أمور الدولة ، وأغلبها كان يذهب إلى خزائن الخلفاء والأمراء وأعيان الدولة ، ومنهم ينساب إلى التجار والصناع والزراع وغيرهم من صنوف الناس . وكان لنمو المال الوارد إلى علية القوم بشتى الوسائل والطرق ، أوضح الأثر في جلب الرخاء إلى تلك الطبقة ، فأقبل كثير من أبنائها إلى حياة البذخ والترف ، وعمدوا إلى الإسراف في العيش ، وانصرفوا إلى تشييد الدور الحسنة المليحة وبالغوا في تجميلها وتزيينها بكل ما وهبوه من ذوق ، وبما أوتيه الصناع من حذق ومهارة وذكاء . فكنت ترى الخلفاء ومن دونهم من أمراء ووزراء وغيرهم من أمائل الناس ، يتنافسون في جعل قصورهم ودورهم آية في الفن ، ويتناهون في أحكام مرافقها ، فتأتي مثالا في روعة البناء وجمال المنظر . ولكن شيئا من هاتيك القصور البغدادية التي توافرت فيها أسباب الفن وآثار النعم ،