وعاش معز الدولة ثلاثا وخمسين سنة ، وخلفه من بعده ابنه بختيار الملقب بعز الدولة ، وكان دون أبيه سطوة وتدبيرا .
3 - لماذا بنى هذه الدار ؟
ينبئنا التاريخ ، أن معز الدولة كان مبتلى بداء عضال اشتدت عليه وطأته ، وعجز أطباء عصره عن معالجته . ففي حوادث سنة 350 ه ( 961 م ) ذكر مسكويه أن علة معز الدولة « اشتدت ، وامتنع عليه البول ، فاشتد جزعه وقلقه ، واستدعى الوزير أبا محمد المهلبي في الليل والحاجب سبكتكين ، فأصلح بينهما عن وحشة قديمة . وبكى وندب على نفسه على عادة الديلم . فلما كان آخر الليل بال دما بشدة ، ثم تبعه رمل « 1 » وخفّ ألمه . فلما كان من الغد ، وهو يوم الخميس لخمس خلون من المحرم ، سلم داره وكراعه وغلمانه إلى ابنه عز الدولة وفوّض إليه الأمور ، وجمع المهلبي الوزير والحاجب سبكتكين على الوصية به ، وخرج في عدّة يسيرة من غلمانه وخاصته ليمضي إلى الأهواز . وكان سبب ذلك استشعاره أن بغداد هي التي أحدثت له الأسقام ، وهي التي أفسدت عليه صحته ، وتذكر أيام مقامه بالأهواز ، وهي أيام شبابه ووفور قوّته ، وظن أن الأهواز هي التي كانت تجلب له الصحة وأنها توافقه . فوصى الحاجب سبكتكين والوزير المهلبي بابنه عز الدولة وبالجيش وغيره مما كان في نفسه . وانحدر إلى كلواذى « 2 » فلما صار بها أشار المهلبي بأن يقيم ويتأمل أمره ويفكر فيه ولا يعجل . فأقام بكلواذى ، وأخذ في تقدير بناء قصر . ثم انتقل إلى الشفيعي « 3 » وقدّر هناك البناء . ثم انتقل إلى
هامش
( 1 ) ما في الكامل لابن الأثير ( 8 : 397 طبعة أوربة ) : « امتنع عليه البول ، ثم كان يبول بعد جهد ومشقة دما ، وتبعه البول والحصا والرمل » .
( 2 ) ناحية كان بينها وبين بغداد فرسخ واحد للمنحدر في دجلة جنوبا . قال فيها ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 ه ( 1228 م ) إنها « الآن خراب ، أثرها باق » ( معجم البلدان 4 : 301 ) .
وذكرها كثير في التاريخ والشعر .
( 3 ) الشفيعي موضع فيه بستان ، أسفل من بغداد ، بينها وبين المدائن . كان ينزله في عهد العباسيين كبار القوم من أمراء وسلاطين وقواد ومن يتبعهم من جند . وظل مقصودا أكثر من مائتي سنة .
وتنحصر أخباره التي وقفنا عليها بين سنة 329 و 529 ه ( 940 - 1134 ) . راجع عنه : أخبار الراضي باللّه والمتقي للّه من كتاب الأوراق للصولي ( ص 146 و 200 و 228 ) وذيل تجارب الأمم لأبي شجاع ( ص 132 و 137 ) والمنتظم ( 7 : 86 ) والكامل لابن الأثير ( 8 : 279 ؛ 9 : 34 ؛ 10 : 198 ؛ 11 : 15 ) وتاريخ مختصر الدول لابن العبري ( ص 286 والمراصد 1 : 431 ) .